آخر الأخبار

ليلة أخيرة

حيدر الهاشمي / العراق

أتعثر عند باب المقهى، يصرخ ورائي صاحبها البدين : كن حذرا أيها الأبله، لست أبله و لا هزيلا كما يظن، إنها الحياة …لا أدري كيف ولدتني، أشعر و كأنها قذفتني من فوهة مدفع، محشو بالقلق و الألم.
ألعب الدومينو مع أصدقائي ، كان أحدهم يدخن الأرجيلة و يضع قدمه اليمنى على المنضدة، دون أن يبدي اهتماما للآخرين، و الآخر يشرب النسكافية دون توقف.
تتزاحم الصور الجدارية وسط المقهى، واحدة لناظم الغزالي و أخرى لأم كلثوم وعندما تحدق بوجوهم قليلا، يجتاحك سيل جارف من الذكريات.
في الزاوية المظلمة من المقهى، يجلس رجلا في الستينيات من عمره، فوق رأسه تلفزيون قديم وضع على رف خشبي مع بعض الكؤوس الفضية والبرونزية، يأخذه النعاس عادة وعندما يسمع صوت الأهازيج و الأغاني الوطنية، يرفع مكنسته نحو السقف ويقف باستعداد تام، يصيح بصوت عال : فصيل عادة سر.
ثم يستدير إلى الحائط و يراوح مكانه، فترتفع قهقهتنا مع دخان السجائر، كان المقهى أشبه بمصحة للأمراض العقلية، أغلب روادها هم النازحون من الحياة، مر الوقت سريعا مثل قطار بخاري لم يعد إلى البدايات، أفتقد أحدنا الآخر، أحدهم مات في الحافلة وهو يتصفح الجريدة، و آخر لفظ أنفاسه الأخيرة في دار المسنين، بعد ان تخلى عنه الجميع، و آخر اختار الهجرة و انقطعت أخباره .
الليلة أعود إلى كوخي القديم ، أنظر في المرآة المقعرة، أتذكر حديث جدي جيدا، كان يقول : كن قويا في مواجهة التيار، الحياة في المدن الكبيرة، تشبه الأسماك في البحار و المحيطات، حين تجوع يأكل بعضها البعض.
اغطي شعري الفضي بفروة ثعلب، احمل الفانوس بيدي و بيدي الأخرى بندقية صيد ، اذهب نحو البحيرة، تجفل طيور الماء، يداهمني الضباب، لكني أرى خيالهم على الشاطئ، يتكرر ذلك المشهد عدة مرات، كلما ناديتهم بأسمائهم.