آخر الأخبار

تَتّبُع أثر الوجود القلق في سرديات منى محمد صالح في قصة ” حلم على حجر إسفين “


قراءة / عثمان خاطر / السودان
القاصة السودانية منى محمد صالح من أصول إرترية ولدت في السودان- مدينة (القضارف) حيث نشأت في بيئة تجمع بين ثقافات متباينة وغنية بالتقاليد، وظل ارتباطها بالثقافتين والهويتين الإرترية والسودانية ثابتا في حياتها، وهو ما ينعكس بوضوح في كتاباتها التي تستكشف قضايا الهوية والانتماء، الهجرة، المرأة، الحرية، بجانب تأثير هجرتها المبكرة في بيئة متعددة الثقافات أثرت بشكل كبير على تكوينها الأدبي والفكري، وما يمثله ذلك من تنوع ثقافي وتاريخي في حياتها. منى محمد صالح، التي تكتب بهدوء دون أن تثير جلبة من حولها، تركز على عوالمها المتعددة وحكاياتها واهتمامها بقضايا اللجوء والتحديات التي يواجهها اللاجئون، وتجاربهم المؤلمة في السعي نحو الأمان والحياة الكريمة.
تتعامل منى محمد صالح، مع اللغة القصصية كأنها حياة واقعية بتفاصيل شخوصها والمواضيع السردية وحبكتها القصصية تبدو كأنما محاولة فرض واقع موازي للخيال، وموازية للحياة الإنسانية، أفكارها تتحرك في فضاءات الحياة، وإنسان قصصها القصيرة ينام ويستيقظ على إيقاع نفسها، يعاني ويفرح ويشقى وينزح ويهاجر ويختبر الحروب والإقصاء والتهميش واللجوء، أسلوب التعرية الكتابية وتنقيب الوجود، جميعها مواضيع حية تتحرك معنا بكل فوضويتها وصراعاتها مع الحياة وسلطة العالم الثالث.
تتفاعل قصص الكاتبة القاصة منى محمد صالح بالحياة بشكلها المستور، وتعيش شخوصها على حافة الانزلاق بين التيه والسقوط، يتبين جليا رسم الخارطة الوجودية التي يركز عليها الكاتبة لتوضيح خطها الكتابي وبلورة أفكارها وسردية منهجها الثقافي في خلق نظام سردي لكشف العالم الموازي ويضاهيه في الكثبان الاجتماعي والعمق والمعنى.
وكذا الحال تتميز قصصها بذات الطابع القلق بين هجرة الوطن والبحث عن مكان ثاني يستوعب فكرة الحياة وخيباتها، نوع أدبي من أدب الرحلات والمغامرات، بل بشكل أصدق صراع الهويات والسلطة بين المجتمع والسياسة، وهو ما تكشف لنا قصة “حلم على حجر إسفين”، صراع ياسين مع الحياة والفروقات الجغرافيا بين البقاء على وتيرة السلم والنضال في التغيير كاجراء احترازي هذه الجلبة التي يعيشها ياسين يمكن أهميتها في أنها تحدي مباشر بين الواقعية والخيال في اعتناق اللغة التفسيرية والوصفية، كما إنها يعري النوع المستور من الحياة الواقعية المخفية في أفق الأدب كسرد ومتعة أكثر من كونه لغة كتابية، -تصف الكاتبة هذه المحنة بعبارة عميقة “كان ياسين  مستعداً للمساومةِ بخيباتٍ أخرى من إرثِ الشيطان”. الكاتبة لها حس لغوي عميق في اختيار شخوص قصصها وليس على محض الصدفة أن تقرأ قصصها بذلك النوع الحلو المتلذذ، إذ أنها تنشأ بينها وبين القارئ مساحة من التشويق  والإطراء تارة يتوه منها القارئ وتارة أخرى يجد ما يرمم حسه الأدبي، الخيال الأدبي أو بالأحرى الخيال السردي في كتابة القصة القصيرة يستبق معها المنحنى الثقافي والعمق المعرفي بالوجود الإنساني وصراعاته الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين ما هو ماض وما هو جديد كل ذلك في الإطار النظري والعملي_ القبض على المستقبل وتعكيس دور السرد في مقتضيات اللغة القصصية. 
حينما تقرأ قصص منى محمد صالح ستشعر كأنما الكاتبة تحاول أن تقبض على الحياة بصورتها الدراماتيكية، وتفكيك مصائرها الحياتية التي لا تلقى اهتماما وليس لها الحظ والنصيب في القدر. يتجلى من قصة ياسين مباشرة محاكاة الواقع ( نموذج العالم الثالث) إشكالية الحرب، الهجرة، النزوح، اللجوء، الموت، العذاب، الحب والسلام، الغربة والتنكيل الثقافي.
هذه الصراعات الوجودية تتبعها الكاتبة بصبر لين وعقل متزن كاشفة تناقضاتها الحداثة، ماضيها البعيد _ كما نلاحظ من ذلك مدى اليأس والحزن العقيمين اللتين يرتسم وجه ياسين في حضوره الهش بين اللغة ومضارب قدره بين البقاء في جلبة التصادم المستمر مع الحياة والوضع الجديد وبين استحضار ذكرى الاعتقالات ورحلة التجنيد الإجباري في عهد ما، من عمر حياته.
كل هذه المواضيع ذات العلاقة بالوجود يصحب معه القلق الناعم من وتيرة الحياة والخوف الذي يستبق معالم المستقبل، ويظهر جليا استفهام صريح في هذه القصة هل يمكن القول بأن ياسين نجى من الحياة بعد وصوله إلى الضفة الأخرى؟ إذا كانت الإجابة “نعم” _ يلزمنا توضيح صريح مع تذكره ماضيه وتتبع رحلة حياته من إريتريا حتى أروبا. أما إذا كانت الإجابة ” لا ” _ هنا نكون في أمر الواقع الملغز الذي تركته الكاتبة كاستلقاء قصير للتأويل والبحث عن قصدية الموضوع العام في ثنايا السرد.
جاءت قصة “حلم على حجر إسفين” بلغة شاعرية، فلسفية لغة عميقة في بُعديها السردي والوصفي مما يصعب الوصول إلى فكرة معينة يجب الاهتداء بها ومسك مكامن أفكارها رغم الوضوح المباشر في تفاصيل القصة ومحاورها ونقاطها الضمنية، كل تلك الثنائية اللغوية والسردية تضعنا أمام عمل أدبي مكتمل يحمل في جعبته الكثير كما تتحايل عليه الكثير يستهوي معه الخيال العبقري وعمل كهذا بحاجة إلى  قارئ حصيف ( القارئ النموذجي) حتى يتم تفكيك لغتها الشاعرية وتسهيل فهمها.
القصة بلا بداية أو نهاية  تدور أحدثها بين زمنين يتصارعان فيما بينهما امتلاك اللحظة يظهر معها ذي النبع الناعم الذي يتوه القارئ في فهم مجريات القصة إذ أنها تعطي انتباه دائم بالاسبقية للزمن الراوي، وتارة أخرى يتحول إلى ذكريات بكل حلاوتها ومرارتها اللتين يندمجان مع الزمن اللحظي، ويكتمل معهما الغاية الوجودية في صراع الذات مع الحياة بشكلها العام وضعفها القدري بين ما هو خيري وشري/ سعادة تعاسة/ الوجود العدم/ الصراعات الثنائية بين اللغة والسلطة، بين الذات والآخر، وبين الأسئلة والأجوبة، ذاك الطعم الذي ينبع من ذات اتبعته الحياة وشردت به الظروف وأوقعت معه ومنه إلى مجرى سلب وسرقة راحة البال.
حياة بطل القصة ياسين ليست حياة سهلة كما يتضح لدى البعض، إنها حياة ليست عادية البتة، إنها صراع دائم مع الوجود، نضال مستمر مع الصعوبات وتصادم باقي مع الاحتمالات التي تتبع مسيرة الوجود. 
تكمن أهمية القصة القصيرة في سردية لغتها ومدى عمقها الفكري وقضاياها التي تبني عليه شخوصها. ما تفعله الكاتبة في محورية قصصها أنها تعطي الفرصة الكافية للغة والشخص من إبداء الرأي في مجريات السرد.
في قصة “حلم على حجر إسفين” يتضح بصورة أوضح حياة ياسين الغنوصية من جهة ومن أخرى التعلق بما وراء الطبيعة في فهمه للحياة ودوره الطبيعي منها، هذه الثنائية _ كما تم ذكره آنفا _ تحمل معها اسئلة الوجود ومع ما يصاحبه من مغامرة محفوفة المخاطر. 
بإختصار شديد الإيجاز نجد الكاتبة تعاملت مع قصتها بعبقرية مدهشة وتعاملت مع اللغة بشاعرية تاركة الأفكار تلوح عن ذاتها .