آخر الأخبار

الامارات وحرب السودان.. قراءة في تداعيات تحقيق رويترز(2-2)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*لا يمكن فصل ما يُثار عن شبكة العلاقات والتحالفات في الإقليم.. فالإمارات، بما بنته وتملكه من حضور اقتصادي وأمني واسع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، تجد نفسها أمام اختبار صعب لمصداقية خطابها المعلن بشأن الاستقرار الإقليمي وعدم التدخل العسكري المباشر.. والسعودية، بوصفها الدولة الأكبر تأثيرًا على الضفة العربية للبحر الأحمر، لا يمكن أن تبقى بمنأى عن تداعيات أي تصعيد يمس أمن هذا الممر الحيوي، خصوصًا في ظل سعيها لقيادة منظومة تعاون إقليمي تقوم على الاستقرار لا الفوضى. أما مصر، المرتبطة بالسودان بروابط أمن قومي مباشر، فإن أي تدويل للعمق الشرقي للسودان يضعها أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على التوازنات مع دول الخليج، وضمان عدم تشكل واقع أمني جديد على حدودها الجنوبية. وفي المقابل، تقف الولايات المتحدة أمام مفارقة واضحة فهي تعلن دعمها لوقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، لكنها مطالبة كذلك بأن توضح حدود مسؤوليتها السياسية تجاه حلفائها، وأن تثبت أن التهدئة ليست مجرد إدارة للأزمة، بل مسار حقيقي لإنهائها.

*بهذا المعنى، فإن القضية لم تعد اختبارًا لطرف سوداني أو لاتهام عابر، بل تحولت إلى اختبار لإرادة الإقليم بأسره؛ هل يريد المجتمع الإقليمي والدولي استقرارًا حقيقيًا في السودان، أم إعادة تشكيل توازناته عبر أدوات غير مباشرة؟.

*وتصحيحًا لتعريف حرب السودان وتأكيدًا لحقيقتها؛ فإن الحرب في السودان لم تكن في أي وقت نزاعًا داخليًا بين طرفين مسلحين، بل تظل نموذجًا لحرب ذات بنية إسناد إقليمي، تدريب، لوجستيات، تقنيات متقدمة، وتمويل عابر للحدود.

*وفي هذه الحالة، فإن الحديث عن وقف إطلاق نار لا يكون ذا معنى ما لم يُستكمل بشرط أساسي تجفيف قنوات الإسناد الخارجي. فلا يمكن لحرب تتغذى من خارج حدودها أن تتوقف بإرادة داخلية فقط ودون منع الداعمين الإقليميين عن التدخل في الشأن الداخلي وكف أيديهم عن المشاركة و الاسهام.

*إن المسألة، في جوهرها، لم تعد شأنًا سودانيًا خالصًا، بل أصبحت اختبارًا لاستقرار القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر، ولقدرة النظام الإقليمي على منع تحول الجوار إلى مسرح دائم لحروب الوكلاء.

 

*ورغم محاولات الامارات المستمرة  في الظهور بمظهر الملاك القديس البرئ والداعم لكفة السلام و الاستقرار، ورغم ادعائها الحياد وتبني قضية الشأن الانساني؛ إلا انها في حقيقةالامر والواقع نزعت عن نفسها كل أغطية الستر والتخفي، وتبرجت كذلك سافرة بالخطيئة ونازعة عن وجهها كل حجاب طهر. ورغم ما تحرص عليه الإمارات كذلك؛ من تقديم نفسها بوصفها فاعلًا إقليميًا داعمًا للاستقرار ومساهمًا في العمل الإنساني، فإن ما تقوم به في هذه الحرب  تضع هذا الخطاب أمام اختبار صعب.. فالتناقض بين الدور المعلن والدور المحتمل في مسرح العمليات، إن تأكد، لا يمس صورة دولة بعينها فحسب، بل يفتح سؤالًا أعمق حول طبيعة إدارة النفوذ الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وهل يُدار عبر أدوات الاستقرار والتنمية، أم عبر أدوات التأثير غير المباشر وإعادة تشكيل موازين القوى؟.

*إن خطورة المرحلة لا تكمن في تبادل الاتهامات، بل في ضرورة الوضوح والشفافية، لأن استمرار الضبابية يرسخ الشكوك ويُعمّق الانقسام ويطيل أمد الحرب.ويبدو أن تداعيات هذا الملف سوف ترسم وبشكل جديد ملامح المرحلة المقبلة من الحرب، ومن اصطفافات و تكتلات الإقليم بأسره.