
اللجان الاستثنائية.. لجنة الفريق جابر نموذجاً
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*على سنوات حكومة الإنقاذ ظهرت حينذِاك مشكلة تكدس البضائع في ميناء بورتسودان لأسباب مختلفة ومعلوم بالضرورة الوزارات والهيئات والمؤسسات التي لها علاقة مباشرة بتكدس البضائع في الميناء وتخليصها فعلى سبيل المثال وزارة المالية، هيئة الجمارك التابعة لوزارة الداخلية وهيئة المواني البحرية ثم الجهات صاحبة البضائع المكدسة حكومية كانت أم أهلية؟ فبدلاً ان تنظر الحكومة في ذلك الوقت في أسباب التأخير ومحاسبة الجهات المقصرة في آداء واجبها وفك إختناق البضائع لجأت للحلول الإستثنائية والتي تتعارض بالضرورة مع القوانين وتعتبر تعدياً على صلاحيات جهات منصوص عليها في القانون ومن صميم عملها لجأت الرئاسة وقتها إلى تشكيل لجنة إستثنائية برئاسة العميد يوسف عبدالفتاح وكانت مهمتها فقط إفراغ الميناء من البضائع التي ظلت قابعة في الميناء لشهور وتم توفير كل الإحتياجات الضرورية لهذه اللجنة للقيام بمهمتها ونجحت في ذلك ليس لعبقرية أعضاء اللجنة او تفردهم بقدر ما أنه تم ذلك بتوفير كل ماطلبته اللجنة من تمويل وتسهيلات أخرى وكتبت في ذلك الوقت منتقداً المنهج والطريقة التي تمت بها معالجة المشكلة وقلت كان يجب معرفة أسباب تراخي وتقاعس الوزارات المعنية عن آداء واجبها وتوفير الإحتياجات المطلوبة لها والتي تم توفيرها للجنة الإستثنائية ومحاسبة هذه الوزارات إن لم تنجح في تفريغ الميناء في الوقت المحدد وليس هناك كبير على القانون أو المحاسبة.
*تذكرت تلك اللجنة الإستثنائية والتي تم تشكيلها لآداء مهام هي من صميم عمل الحكومة في ذلك الوقت ومجلس الأمن والدفاع يصدر قراراً بتشكيل لجنة إعمار وتهيئة بيئة ولاية الخرطوم لعودة الوزارات والمواطنين برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق الركن مهندس إبراهيم جابر والدكتور كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء نائباً له وعضوية والي الخرطوم وعدد من الوزراء في حكومة الأمل.
*بدءاً لا بد من الإشادة بهذه اللجنة التي ظهرت إنجازاتها على أرض الواقع وجعلت عودة الوزارات والمواطنين للخرطوم أمراً ممكناً فقد بذلت جهوداً كبيرةً ومقدرةً في عودة الخدمات الضرورية لجزء كبير من أحياء الخرطوم من كهرباء ومياه ومستشفيات وجامعات ومدارس وبنوك وأسواق وحركة تجارية ولكن بالطبع تبقى الكثير حتى الآن مع ظروف الأسر وأولياء الأمور الذين فقدوا كل شيء وإرتبطوا بأعمال بالخارج ويحتاج توفيق أوضاعهم لوقت أطول كما تحتاج منازلهم لإعادة تأهيل لا يملكون تكلفتها الآن الشيء الذي غضت عنه الحكومة ولجنة إعادة تعميرها الطرف تماماً ولم تتحدث عنه فكأنما المواطن الذي فقد كل شيء ووقف مع الجيش لا يستحق التعويض وهذا موضوع جدير بالنقاش.
*عودة لموضوع لجنة الفريق جابر التي لم يكن المواطن يعلم كثيراً عن تفاصيل منهج وطريقة آدائها لو لا حديث رئيسها الفريق جابر للصحفيين نهاية الأسبوع الماضي والذي للأسف ظهر فيه الصراع الداخلي بين اللجنة ورئاسة مجلس الوزراء خاصة بعد الإتهام بأن هناك وزير (كبير) قد قام بإيجار مقار لوزارات بالدولار دون علم اللجنة ودون حتى علم رئيس مجلس الوزراء بعد أن إستفسر جابر عن ذلك الشيئ الذي تم نفيه تماما وأن الإيجار تم دفعه بالجنيه السوداني.. تلك هي إتهامات ما كان يجب أن تصدر في هذا التوقيت.
*أما المشكلة الثانية والتي لم يعلم تفاصيلها المواطن هي تكلفة إعادة إعمار كبري الحلفايا بمبلغ 11 مليون دولار وذلك أولاً لأنه مبلغ كبير على الصيانة وثانياً لأنه لم يراع قانون المحاسبة والرقابة المالية بأن تم منحه لشركتين دون عطاء او إعلان وهذا ما يدخل اللجنة في دائرة التجاوز ولكن الفريق جابر حاول تبرئة لجنته بأن قال أن هذا العمل قد تم بين وزارة النقل والمالية فيجب أن تساءل الوزارتين عن ذلك..للأسف التبرير غير مقبول وغير منطقي لأن كل الإنجازات الإيجابية والتي تمت في نفس التوقيت وبنفس اللجنة قد حسبت لصالحها فلماذا التبرؤ من إعمار كبري الحلفايا.. أم انه على طريقة الخير يعم والشر يخص.. أم ان الشينة منكورة.. وأين العطاءات التي تمت في مجال الكهرباء والمياه والمستشفيات وصيانة مواقع أخرى من إنجازات اللجنة.. ألم تكن هناك وزارات معنية بكل هذه الخدمات؟.
*صحيح أن لجنة الفريق جابر جاءت في ظروف إستثنائية وحتى تكوينها جاء من جهة غير صاحبة إختصاص فقد شكلها مجلس الأمن والدفاع الوطني وليس رئيس مجلس السيادة كما أن وجود رئيس مجلس الوزراء نائباً لا أعتقد أنه موفق لأن كل الأعمال التي تمت هي مسؤولية الجهاز التنفيذي برئاسة دكتور كامل إدريس فكان ينبغي أن توكل كل هذه المهام للوزراء تحت إشراف الوزير الأول وليكن مجلس السيادة أو أياً من أعضائه مشرفاً فقط وداعماً ومسانداً بإعتبار أن المجلس جهة سيادية وليس تنفيذية وكانت فرصة لإمتحان حكومة الأمل لمعرفة قدرتها علي إنجاز مهامها الأمر الذي لم يحدث لذلك تابعنا قلة ظهور رئيس مجلس الوزراء في عمل هذه اللجنة.
*أخيراً جاء خطاب وزير رئاسة مجلس الوزراء دكتوره ليمياء عبدالغفار بإسم رئيس مجلس الوزراء لأعضاء حكومته بألا يشاركوا في أي لجان خارج المجلس ليعبر هذا الخطاب عن عدم التوافق والإنسجام بين المجلس ولجنة الفريق جابر من جهة وبين أنه إشارة لتجميد اللجنة أو حلها فلا فرق وذلك بعدم مشاركة الوزراء المؤثرين فيها.
*ختاماً نذكر بأن تشكيل لجان إستثنائية للقيام بمهام هي من مسؤولية الجهاز التنفيذي فهو نهج غير سليم فضلاً عن كونه يخالف القانون ويضعف الجهاز التنفيذي كما أن عدم الشفافية والإلتزام بالقوانين المالية والمحاسبية التي كثيراً ما تصاحب أعمال هذه اللجان يعتبر ثغرة كبيرة وتجعل هذه اللجان في مكان المساءلة أياً كانت إنجازاتها..فالظروف التي تمر بها البلاد وإنجاز المهام في مواقيتها وبالسرعة المطلوبة يجب ألا تكون مبرراً للأخطاء أو للتجاوزات أو مخالفة ما هو منصوص عليه قانوناً…فمتي تكون سيادة حكم القانون هي المرجعية الحقيقية لكل أعمالنا حتى نقول أننا أمة متحضرة؟.