آخر الأخبار

السودان بين حرب الاستنزاف ومأزق الدولة… إلى أين تتجه الأزمة في 2026؟

 

عمرو خان

*منذ مطلع فبراير 2026، بات واضحاً أن ما يجري في السودان لم يكن صراع مسلح على السلطة بل أزمة وجودية تهدد فكرة الدولة ذاتها، في ظل حرب طويلة الأمد بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع، قد لا يكون الحسم العسكري فيها هو أخر المطاف، نظرًا لوجود إشكاليات كبري سياسية تحتاج إلي المعالجة في حال توقف الحرب.

وبكلفة إنسانية تُصنَّف بين الأعلى عالمياً، أصبح المشهد في السودان ليس مجرد مواجهة بين طرفين، بل مسار استنزاف شامل يطال المؤسسات والاقتصاد والمجتمع، ويضع البلاد أمام اختبار تاريخي مفتوح.

*مشهد عسكري بلا حسم: المعارك خلال الأسابيع الأخيرة حافظت على نمطها القائم على الكرّ والفرّ، مع اتساع نطاق العمليات في دارفور وكردفان وأجزاء من الوسط، في ظل سيطرة تامة على نتائج المعارك للجيش السوداني.. ورغم كثافة الاشتباكات، لا توجد مؤشرات واقعية على موعد انتهاء المعارك وتوقف الحرب، في ظل جمود عسكري يعمّق حالة الاستنزاف، حيث تُستهلك الموارد والقدرات المؤسسية.

*اللافت في هذه المرحلة هو تصاعد استخدام وسائل قتالية أكثر دقة وتأثيراً، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة استهداف البنية التحتية المدنية وتعطيل مسارات الإمداد الإنساني.. وحتى وإن كانت النتيجة تفوقاً عسكرياً حاسماً للجيش السوداني،  ففي الوقت نفسه تخلق المعارك تضييقاً متزايداً على حياة المدنيين وتعقيداً إضافياً للأزمة.

*المجاعة كأزمة مركبة: الأزمة الإنسانية تجاوزت مرحلة التحذير إلى واقع انهياري ملموس.. ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع توسع رقعة المجاعة في أجزاء من دارفور والنزوح الداخلي بلغ أرقاماً قياسية، ما يضع ضغطاً هائلاً على المجتمعات المضيفة داخل البلاد وفي دول الجوار.

*المعضلة لا تقتصر على نقص الغذاء، بل تشمل تعطّل سلاسل التوزيع، وصعوبة وصول المساعدات، وتعرّض بعض القوافل الإنسانية لمخاطر أمنية.. مع تصاعد لتحذيرات الأمم المتحدة، لكن فجوة التمويل والقيود الميدانية تجعل الاستجابة الإنسانية أقل بكثير من حجم الكارثة، ما يهدد بتحول الأزمة إلى مجاعة ممتدة ذات آثار اجتماعية طويلة الأمد.

 

*دبلوماسية تتحرك… بلا اختراق: على المستوى الإقليمي، يقود الاتحاد الأفريقي مشاورات مكثفة سعياً إلى هدنة إنسانية، في ظل استمرار تعليق عضوية السودان. بالتوازي، تتحرك مصر دبلوماسياً لترسيخ مبدأ وحدة الدولة ورفض سيناريوهات التفكك.

*ورغم هذا الحراك، لا تزال المبادرات المطروحة تفتقر إلى أدوات ضغط فعالة على طرفي النزاع. الانقسام الدولي وتزاحم الأولويات العالمية يجعلان الملف السوداني حاضراً في الخطاب السياسي أكثر منه في آليات تنفيذ قادرة على فرض تسوية أو حتى تثبيت تهدئة مستقرة.

*سيناريوهات المرحلة المقبلة: المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية خلال الأشهر القادمة:

1- استمرار حرب الاستنزاف

وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، حيث يتواصل التآكل التدريجي لمؤسسات الدولة ويتوسع اقتصاد الحرب، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية وأمنية عميقة.

 

2- هدنة إنسانية هشة قد تُفرض بضغط إقليمي أو دولي، لكنها ستظل مؤقتة ما لم تُربط بمسار سياسي واضح يعالج جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.

3- تفكك جغرافي فعلي: في حال استمرار الانقسام الأمني والإداري بين مناطق النفوذ، قد تتكرس وقائع ميدانية تُضعف مركزية الدولة وتفتح الباب أمام أشكال من التشظي.

* جوهرالأزمة.. فراغ المشروع الوطني: المعضلة السودانية لم تعد مجرد صراع بين الجيش وميليشيا مسلحة، بل تعبير عن غياب مشروع وطني جامع قادر على إعادة تعريف الدولة بعد تحولات 2019. كلما طال أمد الحرب، تضاءلت فرص الانتقال السياسي، وازداد خطر الانزلاق نحو نموذج الدولة الفاشلة ذات النزيف المزمن، حيث يصبح العنف بنية مستدامة لا حدثاً عابراً

*وهنا يصل السودان عند مفترق تاريخي حاسم: إما تسوية سياسية تُنقذ ما تبقى من مؤسسات الدولة وتعيد فتح أفق الانتقال، أو استمرار مسار التفكك البطيء تحت غطاء حرب بلا نهاية واضحة.

*ورغم تحرك المجتمع الدولي، لا حسم يوجد للأزمة، ويظل المواطن السوداني الحلقة الأضعف، الذي يدفع كلفة صراع يفوق قدرته على الاحتمال، خاصة وأنه من الواضح أن مستقبل البلاد لن يُحسم في ساحات القتال، بل في القدرة على صياغة رؤية وطنية تعيد تعريف معنى الدولة والشرعية والاستقرار.

*كاتب صحفي مصري