آخر الأخبار

المجلس التشريعي الانتقالي .. رؤية قانونية

د.بدرية سليمان عبّاس المجلس

اطّلعتُ بكثير من الاهتمام لعدد من المقالات ذات العلاقة بإنشاء مجلس تشريعي انتقالي خلال هذه الفترة الانتقالية باعتباره استحقاقاً دستورياً تُستكمل به مؤسسات الدولة وأجهزتها الحاكمة السيادية والتنفيذية والتشريعية والعدلية وغيرها من المؤسسات التي تمت الإشارة لها فى الوثيقة الدستورية وتعديلاتها.
أولاً :
*نصَّ الفصل السابع من الوثيقة الدستورية لسنة 2019 (تعديل) لسنة2025 في المادتين 24 و 25 على التوالي لتكوين المجلس التشريعي الإنتقالي واختصاصات السلطة التشريعية الانتقالية، وبينت المادة 24 (1) أنه سلطة تشريعية مستقلة يراعى في تمثيلها أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى، ومشاركة قطاع المرأة على أن لا يتجاوز عدد الأعضاء ثلاثمائة عضوا، كما بيّن البند (3) من ذات المادة على أن قرارات السلطة التشريعية الانتقالية تصدر بالأغلبية البسيطة وأشارت المادة 25 بأن هذا المجلس الانتقالي يختص بإصدار القوانين والتشريعات إلى جانب مراقبة أداء مجلس الوزراء ومساءلته وسحب الثقة منه أو من أحد أعضائه عند الإقتضاء، وله أيضاً سلطة إجازة الموازنة العامة للدولة والمصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والإقليمية والدولية مع حق المصادقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ والتوصية بإعفاء رئيس مجلس الوزراء، وللمجلس التشريعي الانتقالي الحق في إصدار التشريعات التى تنظم أعماله.
*مما سبق يتبين أن إنشاء المجلس التشريعي الإنتقالي أصبح استحقاقاً دستورياً واجباً حتى تستكمل الدولة هياكلها الحاكمة المتمثلة في مجلس للسيادة ومجلس الوزراء وجهاز تشريعي رقابي إلى جانب أجهزة العدالة والمؤسسات والمفوضيات الأخرى المشار إليها في الوثيقة الدستورية.
*غير أن الناظر لنصوص المادتين 24 و 25 يتبين منهما أن الوثيقة أشارت فى عبارتين تحتاجان لتعريف قانوني لمن يشارك في المجلس التشريعي الانتقالي بنصها على عبارتي (أطراف العملية السلمية) و(القوى الوطنية الأخرى) وكل عبارة منهما تحتاج لتعريف قانوني لمن يرشح أعضاء ذلك المجلس ومن يحق له أن يكون عضواً فيه، إذ أن إطلاق العبارتين هكذا لا يقودنا للنتيجة الدستورية المرجوة وهي أن يمثل ذلك المجلس فئة معينة لها مشاركة واضحة في العملية السلمية وتكون من القوى الوطنية الأخرى التي لها سهم واضح في المشاركة في استرداد الكرامة بعد الهجمة الشرسة من القوى المتمردة والجهات الداخلية والخارجية الداعمة التي هدمت واغتصبت وسفكت الدماء وهجرت المواطنين وتسببت في نزوحهم وفقدان الأرواح و الأموال والكرامة الانسانية.
ثانياً :
*إن المجلس التشريعي الانتقالي المتوقع يحتاج لإعمال الفكر واستقراء التجارب الدستورية والقانونية السابقة في السودان وغيره من الدول الأخرى التي مرّت أو تمر بفترات انتقالية للبحث عن أنجع السبل لوجود جهاز تشريعي رقابي غاب عن البلاد منذ العام 2019 بعد تعطيل دستور 2005 الإنتقالي وحل الأجهزة الدستورية القائمة آنذاك.
*وبالرجوع للقوانين السارية الآن وخاصة قانون الأحزاب السياسية وقانون الإنتخابات وغيرها من القوانين ذات الصلة ما يسعف في تحديد وتعريف من يمثل السودانيين الوطنيين الحادبين على مصلحة البلاد وشعبها في ذلك المجلس، الذي عجزت عن تعريفه النصوص الدستورية التي لا تبين قصد المشرع مما يجعل أمر الإفصاح عن ذلك بنص قانوني ملزم هو الأسلم وهذا يقودنا لسؤال هام هو: هل من المناسب أن يتم تشكيل ذلك المجلس بالتعيين أم بالانتخاب طالما أن الوثيقة الدستورية لم تبين آلية الإختيار ولا شروط الأهلية لمن يختار ومن يختار أي الممثل أو من يختار الممثل لعضوية المجلس.
*يقيني أن أحزابنا السياسية القائمة الآن بكل مكوناتها وإتجاهاتها وعضويتها يصعب عليها اختيار هؤلاء الــ300 عضو باتفاق أو توافق حتى يتم التعيين من مجلس السيادة خاصة وأن الساحة السياسية الآن تمثلها تكتلات وتجمعات وطنية وليس أحزاب منفردة، ومن المناسب أن تكون تلك التجمعات والكيانات، أياً كانت مسمياتها، هي الجهة التي يمكن أن يناط بها قانوناً الترشيح لعضوية المجلس التشريعي الانتقالي وتترك حرية الاختيار للشعب السوداني من المؤهلين لاختيار الاعضاء الـ300 من بين قوائم قومية مغلقة تجري الانتخابات عليها من واقع آخر سجل انتخابي وما تتم إضافته عليه وآخر إحصاء سكاني تم في البلاد.
ثالثاً :
*لعل هذا الأمر يحتاج لقانون خاص لمجلس تشريعي انتقالي يبين فيه المقصود بالعبارة الدستورية (أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى).
*ولأن القاعدة التشريعية الأصولية تنص على أن أحكام القانون الخاص تسود على أحكام القانون العام فإن إصدار مثل ذلك القانون يصبح ضرورياً ولازماً لتسود أحكامه على أحكام قانون الانتخابات العامة لسنه 2008 وقانون الأحزاب السياسية وغيرها، ولابد من أن يبيّن ذلك القانون الجهة التي تتولى تنظيم تلك الانتخابات وتحدد التدابير والنظم والجداول الزمنية ومراكز الاقتراع وتحدد الاجراءات الخاصة بتنظيم الحملات الانتخابية وقوائم المرشحين وإعداد الرموز الإنتخابية لكل قائمة إلى جانب إعتماد الإستمارات و النماذج المستخدمة فى عملية الإنتخابات لتزكية المرشحين من القوائم حتى مرحلة نشر الكشوفات النهائية لقوائم المرشحين.
*بالضرورة، أن يحدد القانون الخاص الشروط المطلوبة في الناخب والمرشح والجهات التي ترشح القوائم من الكتل والتجمعات المشاركة في العمليات السلمية ومن القوى الوطنية. وقد يتبادر للذهن سؤال منطقي عن كيفية إشراك هذا الطيف الهائل من السودانيين المنتشرين في أصقاع السودان وخارجه في عملية إختيار عضوية هذا المجلس التشريعي في هذا الزمن الصعب وجزء من أطراف السودان لازال تحت نيران العدو المتمرد أرضاً و شعباً حتى نطمئن أن المجلس يمثل أهل السودان أو أغلبهم دون أي إقصاء أو عزل بسبب اختلاف الفكر أو العقيدة أو اللون السياسي مع مراعاة التمثيل الشامل لكل مكونات المجتمع السوداني والمناطق الجغرافية والفئات العمرية من أهل الخبرة والدراية ممن يمكن أن تؤكل لهم المهام المناط بالمجلس الإنتقالي كبرلمان توليها بكل تجرد ووطنية.
ختاماً :
*الحمد لله على أن وزارة العدل تضم العديد من الكوادر القانونية المؤهلة لإعداد مشروعات القوانين و تعديل القائم منها لخدمة هذا الهدف الأسمى بانتخاب مجلس تشريعي انتقالي تكون مهمته الأساسية هي التشريع و الرقابة على الجهاز التنفيذي وإقرار سياسات الموازنة الكليّة و غيرها، مما يعد استكمالًا للشرعية الدستورية للدولة بإكمال مؤسساتها و أجهزتها وهياكلها.