آخر الأخبار

الطاقة الشمسية تحول (حسينارتي) الصحراوية إلى واحة خضراء (1)

  • الشمس هبة إلهية للسودان علينا إستغلالها الإستغلال الأمثل
  • الإشعاع الشمسي على مدار العام حل جذري وإستراتيجي للنهوض بالقطاع الزراعي في السودان
  • الإعتماد على التوليد الكهربائي التقليدي والديزل أضر بالزراعة كثيرا
  • مشاريع زراعية بمحلية الدبة كادت تموت عطشا لولا تدخل الري بالطاقة الشمسية

حسينارتي ــ عادل الحاج:
رب ضارة نافعة.. هذه العبارة سمعتها تتردد كثيرا وسط المزارعين والمستثمرين الذين تخلوا تماما عن ري مزارعهم وبساتينهم بالكهرباء العامة والتي نعرف جميعنا ما حل بها بسبب الحرب والمسيرات ولذلك اتجهوا لري مزارعهم وبساتينهم العطشى بمنظومة الطاقة الشمسية.. وخير مثال على ذلك تجربة المزارعين والمستثمرين بمنطقة (حسينارتي) الصحراوية وحدة التضامن الإدارية محلية الدبة الولاية الشمالية والتي فوجئت عند زيارتي لها تحولها لواحة خضراء يانعة بفضل الطاقة الشمسية بعد ان كادت تموت من عطش المياه والكهرباء معا.. فالشمس هبة إلهية للسودان علينا إستغلالها الإستغلال الأمثل.. (أصداء سودانية) تنقل هذه التجربة الرائدة عبر هذا التحقيق الميداني..
الملاذ الآمن:


التحقيق الميداني شمل 3 مشاريع زراعية بمنطقة حسينارتي التابعة إداريا لوحدة التضامن الإدارية، محلية الدبة، الولاية الشمالية، وهي تقوم بزراعة الخضروات: (طماطم ــ باذنجان ــ بصل ــ ذرة شاميه ــ فلفل أخضر ــ فلفل أحمر ــ فول ــ بطاطس ــ بامية ــ خيار ــ كزبرة ــ قمح) وغيرها من المحصولات البستانية.. تبلغ مساحة المشاريع الزراعية 70 فدانا بجانب بساتين الفاكهه جميعها كادت تموت عطشا مما وضع المزارعين والمستثمرين في موقف لا يحسدون عليه بسبب الخسائر التي كانوا سيتعرضون لها حتى كاد العطش ان يعصف بمزروعاتهم عصفا.. السؤال هنا: ما الذي جعل المزارعين والمستثمرين بمنطقة (حسينارتي) بمحلية الدبة الولاية الشمالية التفكير في التخلي عن الكهرباء العامة ومولدات الديزل التي كانوا يعتمدون عليها منذ سنوات طويلة في ري المزارع وبساتين الفاكهه؟.. المهندس الزراعي، صلاح الدين الرشيد محمد خير، والذي إلتقيت به بالمنطقة يجيب موضحا:
قيام سد مروي في عام 2006 مثّل نقطة تحول كبرى في الولاية الشمالية، حيث حلت الطاقة الكهربائية محل ماكينات الديزل التي كانت تعتمد عليها الزراعة في ري الأراضي، وأصبحت الكهرباء مصدر الطاقة الأساسي في مختلف المجالات، وإنعكس ذلك إيجابًا على مسيرة التنمية والتطور بالولاية، إذ شجّع المواطنين على استغلال جميع المساحات المتاحة للزراعة، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في الرقعة المزروعة، إلى جانب دخول الكهرباء في الاستخدامات المنزلية المختلفة.. غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 وما تبعها من اضطراب وعدم استقرار في الإمداد الكهربائي، ثم استهدافه لاحقًا بالمسيرات، ألقى بظلاله السالبة على القطاع الزراعي والبساتين التي كانت تعتمد كليًا على الكهرباء، وأمام هذا الواقع لم يجد أصحاب المزارع والبساتين بدًا من البحث عن بدائل، فبرزت الطاقة الشمسية كملاذ آمن، لا سيما للمقتدرين من صغار المزارعين.. وأضاف
الطاقة الشمسية طاقة متجددة ونظيفة، وقد أسهم استخدامها الواسع في إنجاح الزراعة بالولاية عمومًا، فالموسم الزراعي الشتوي الحالي يبشر بإنتاج وفير بإذن الله، خاصة مع إنخفاض درجات الحرارة.. فالعديد من الدول اتجهت للاعتماد على الطاقة الشمسية، كدولة قطر على سبيل المثال، التي أنشأت محطة (الخرسعة) للطاقة الشمسية، أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في العالم، غرب الدوحة، على مساحة تتجاوز 10 كيلومترات مربعة، وبتكلفة تُقدّر بنحو 1.7 مليار ريال قطري، وتضم أكثر من 1.8 مليون لوحة شمسية، وبسعة إنتاجية تبلغ نحو 800 ميغاوات، تُضاف إلى الشبكة العامة
الشمس.. حل جذري:


المهندسة الزراعية، نوال عيسى محمود إبراهيم، مدير الخدمات الزراعية بمحلية الدبة بالولاية الشمالية، صرحت لـ(أصداء سودانية)، أن السودان يتمتع بمعدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي على مدار العام، الأمر الذي يجعله من أنسب الدول لاستخدام الطاقة الشمسية في المشروعات الزراعية، باعتبارها بديلاً آمناً ومستداماً وفعالاً للكهرباء في عمليات الإنتاج الزراعي بمختلف مراحله.. وأضافت:
الاعتماد على الطاقة الشمسية يمثل حلاً جذرياً واستراتيجياً للنهوض بالقطاع الزراعي في السودان بصفة عامة، وفي الولاية الشمالية على وجه الخصوص، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي فرضتها الظروف الراهنة، وعلى رأسها الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء نتيجة الاستهداف الذي تعرض له من قبل مليشيا الدعم السريع، مما أثر سلباً على استقرار العملية الإنتاجية بالمشاريع الزراعية.. فإدخال أنظمة الطاقة الشمسية أسهم بصورة ملموسة في استقرار وزيادة الإنتاج الزراعي، بعد أن كان يعتمد في السابق على التوليد الكهربائي التقليدي والديزل، اللذين يتأثران بتقلبات الإمداد وارتفاع تكاليف التشغيل.. فالطاقة الشمسية تتميز بجدوى اقتصادية عالية مقارنة بهذين المصدرين، نظراً لانخفاض تكلفتها التشغيلية، وعدم تأثرها بتقلبات أسعار الوقود، إلى جانب استدامتها على المدى الطويل وقلة أعطالها الفنية.. فالتوسع في استخدام الطاقة الشمسية في الزراعة أسهم كذلك في تقليل الأعباء المالية على المزارعين، وزيادة المساحات المزروعة، وتحسين كفاءة الري والإنتاج، فضلاً عن دورها في الحفاظ على البيئة والحد من الإنبعاثات الضارة.. ولذلك يجب تبني سياسات داعمة من قبل الدولة والمؤسسات المختصة، لتشجيع المزارعين على التحول إلى الطاقة الشمسية عبر توفير التمويل الميسر، وإستيراد المعدات بأسعار مناسبة، وتقديم الإرشاد الفني اللازم لضمان الإستخدام الأمثل لهذه التقنيات الحديثة.. فمستقبل الزراعة في الولاية الشمالية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، فالإستثمار فيها لم يعد خياراً ترفياً، بل ضرورة حتمية لضمان إستدامة الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي في البلاد.
الحلقة القادمة:
ــ كيف أنقذت المنظومة الشمسية المشاريع الزراعية بوحدة التضامن الإدارية من العطش؟.
ــ المزارعون والمستثمرون: لم نعد رهائنا لقطوعات الكهرباء وشح الجازولين.
ــ دخول محاصيل جديدة بالولاية الشمالية تحتاج لريات متقاربة.