
كواليس صراع النخب والشباب..حديث على مائدة حرب الكرامة(1)
عمرو خان
*في أحد مطعم شرقي يقع في الجهة الغربية من المدينة، جلست برفقة صديقين، أستمع إلى حديثٍ مثقلٍ بالهموم والقلق، تتخلله إشارات خفية تختبئ خلف سلاسة الحوار. كنت أظن أن صديقي الذي دعاني إلى اللقاء يعرف الرجل الثالث جيدًا، لكن الدقائق الأولى كشفت مفارقة غريبة؛ كلاهما لم يحفظ اسم الآخر بعد، وكأن اللقاء نفسه تجربة لاختبار المسافات بين أفكار متباعدة .
*قبل خمسة أيام فقط، تلقيت اتصالًا من صديق سوداني مقيم في مصر، دعاني إلى الإفطار، وطلب أن ينضم إلينا صديق له يريد أن يعرّفني به. رحبت بالدعوة دون تردد، وافترضت ببساطة أنه صديق قديم له يرغب في جمعنا على مائدة واحدة. ومع بداية اللقاء تكشفت حقائق عديدة، من بينهما تحول اللقاء إلى جلسة أقرب إلى استجواب سياسي هادئ .
*صديقي الأول كاتب رأي معروف، اعتاد أن يكتب بحدة أحيانًا وبهدوء في أحيان أخرى، بينما صديقه شاب ثوري في مطلع العشرينيات، يشع حماسًا، وكلاهما من السودان، وطنهما المشترك.
*الفارق العمري بين الرجلين كان واضحًا؛ أحدهما خمسيني يقترب من الستين، والآخر لم يغادر بعد سنوات الشباب الأولى. الرجل الأكبر كان يخفي انتماءه اليمني خلف لهجة هادئة وحضور متزن، بينما كان الشاب يعلن انتماءه الثوري بوضوح لا يقبل التأويل.
*لكن السؤال الذي ظل يرافقني طوال الجلسة: لماذا اجتمعا معًا؟ ولماذا تمت دعوتي تحديدًا إلى هذا اللقاء؟
*على مائدة الإفطار، بدأ الرجل الخمسيني في طرح أسئلة متلاحقة تتعلق بمستقبل الحرب في السودان، وتوقعات المشهد السياسي، وتحليلاتي حول اللقاء الذي جمع القيادي في تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية نور الدين صلاح الدين برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان
كان واضحًا أنه يعرف تفاصيل علاقتي بنور الدين، خاصة بعد الحلقة التي سجلتها معه مؤخرًا في بودكاست (هنا السودان من القاهرة). وربما لهذا السبب تحديدًا بدت أسئلته مركزة، وكأنه يحاول قراءة ما بين السطور أكثر مما يريد سماع الإجابات المباشرة.
*مع مرور الوقت، بدأ موقفه يتكشف شيئًا فشيئًا. لم يكن الرجل راضيًا عن لقاء نور الدين مع البرهان، ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضًا لخلفيات شخصية تتعلق بانتماء نور الحزبي وتاريخه السياسي، وأظهر أنه يري شئ من الإدعاء في شخص نور الدين صلاح الدين. ومع ذلك، فاجأني الرجل باعتراف بدا متناقضًا مع نبرة اعتراضه؛ إذ قال إن نور الدين قد يكون أفضل الخيارات المتاحة بين النخب السياسية الحالية، لأنه – بحسب وصفه – (لا يرتدي عباءات المال) وأضاف لي: أن صناع القرار في السودان، كما يرى، بدأوا يتجهون إلى فتح قنوات الحوار مع شخصيات سياسية تملك نفوذًا ماليًا، وهو مسار يثير قلق كثيرين ممن يخشون أن تتحول السياسة إلى ساحة صراع بين مراكز المال والنفوذ.
*كانت أسئلته تتدفق بسرعة، وكأنه يسابق الوقت قبل أذان المغرب. شعرت للحظة أنه يحاول اقتناص أكبر قدر ممكن من المعلومات قبل وصول ضيف ثالث ينتظره. حتى إنني بدأت أظن أن الرجل يريد أن يعوض ثمن المائدة المتواضعة بحصيلة من الآراء والتحليلات.
*لكنني، رغم كل ذلك، لم أكن قد فهمت بعد الهدف الحقيقي من هذا اللقاء.
*وفجأة، قطع رنين الهاتف سيل الأسئلة.. ارتفع الصوت في هدوء المطعم، فانتفض الرجل الخمسيني قليلًا قبل أن يلتقط هاتفه سريعًا وينظر إلى الشاشة ابتسم وقال بنبرة بدت مختلفة هذه المرة:
هذا فتاي الذي كنت أحدثك عنه… يبدو أنه وصل
ثم أضاف وهو ينهض من مقعده
لابد أن نستقبله الآن
وهنا، فقط، بدأت أفهم أن هذه المائدة لم تكن مجرد إفطار عابر… بل بداية حكاية أكبر.
يتبع في الحلقة القادمة
*كاتب صحفي مصري