
ماذا يحدث داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون؟
أصداء من الواقعومن أجل مستقبل واعد
د. مزمل سليمان حمد
*لم تكن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو بث البرامج، بل كانت دومًا صرحًا وطنيًا يساهم في تشكيل وعي المجتمع وحفظ ذاكرته الجمعية، إذ انطلقت الإذاعة السودانية في أبريل 1940م، بينما بدأ البث التلفزيوني بشكل منتظم في ديسمبر 1963م، أي بعد أكثر من عقدين من انطلاقة الإذاعة، لتؤسس بذلك مدرسة إعلامية رصينة امتدت عبر عقود من الزمن وشكلت جزءًا من الوعي الجمعي للسودانيين.
*لقد ارتبط اسم أم درمان تاريخيًا بكونها عاصمة الإعلام والثقافة في السودان، ومنها تشكلت المدرسة الإذاعية والتلفزيونية التي عُرفت بالرصانة المهنية واللغة الإعلامية المتزنة واحترام عقل المتلقي. وكان التعليق الإذاعي تحديدًا أحد أبرز الفنون الصحفية التي ميزت الإذاعة السودانية، إذ لم يكن مجرد حديث عابر، بل قراءة تحليلية للأحداث تقدم للمستمع رؤية أعمق لما يدور حوله من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية.
*غير أن الظروف الاستثنائية التي مر بها السودان خلال الفترة الأخيرة، وما صاحبها من حرب وتداعيات سياسية وأمنية، ألقت بظلالها على مؤسسات الدولة كافة، وكان الإعلام الرسمي واحدًا من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التحولات. فقد اضطرت مؤسسات الإذاعة والتلفزيون إلى العمل في ظروف انتقالية معقدة بعد تعذر استمرار العمل في مقراتها الأصلية، الأمر الذي فرض واقعًا إداريًا ومهنيًا مختلفًا عن السابق.
*وفي ظل هذه الأوضاع برزت مؤشرات عديدة على وجود حالة من الارتباك داخل بعض المنصات الإعلامية الرسمية، سواء على مستوى التنظيم الإداري أو على مستوى الخطاب الإعلامي نفسه. وقد تجلى ذلك مؤخرًا في إعلان صادر عن التلفزيون القومي يحذر من قيام بعض الأشخاص بإجراء مقابلات مع مسؤولين وشخصيات عامة باسم التلفزيون دون تفويض رسمي، وهو إعلان يعكس حرص المؤسسة على حماية هويتها المهنية ومنع استغلال اسمها في أنشطة إعلامية غير معتمدة.
*غير أن هذا الإعلان جاء متزامنًا مع ظاهرة أخرى لفتت انتباه المتابعين للشأن الإعلامي، وهي غياب بعض التعليقات الإذاعية التي اعتاد الجمهور الاستماع إليها عبر أثير الإذاعة السودانية. وقد أثار هذا الغياب تساؤلات عديدة داخل الوسط الإعلامي وبين جمهور المستمعين، خاصة أن التعليق الإذاعي ظل لسنوات طويلة أحد أهم مكونات الخطاب الإعلامي في الإذاعة، بل كان يمثل في كثير من الأحيان مساحة للتفسير والتحليل وإضاءة خلفيات الأحداث .
*إن تقاليد الإذاعة السودانية عُرفت منذ نشأتها بإتاحة مساحة واسعة للتعليق الرصين الذي يستند إلى الخبرة والمعرفة، وكانت هذه المساحة تشكل جزءًا من الدور التنويري الذي لعبته الإذاعة في المجتمع السوداني. فقد كان المستمع يجد في تلك التعليقات قراءة هادئة ومتوازنة للواقع، تقدم له فهمًا أعمق للأحداث بعيدًا عن الإثارة أو الانفعال .
*ولهذا فإن غياب مثل هذه المساحات التحليلية، أياً كانت أسبابه، يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة التي يمر بها الإعلام الرسمي، وحول التوازن المطلوب بين إدارة الخطاب الإعلامي من جهة، والمحافظة على التقاليد المهنية التي عُرفت بها هذه المؤسسات من جهة أخرى. فالإعلام الوطني لا يكتسب قوته من كونه منبرًا رسميًا فحسب، بل من قدرته على استيعاب الخبرات الإعلامية المتراكمة وتوظيفها لخدمة قضايا المجتمع .
*كما أن المستمع السوداني بطبيعته شديد الارتباط بالإذاعة، وقد ظل لسنوات طويلة يتابع برامجها وتعليقاتها بوصفها مصدرًا موثوقًا للمعلومة والتحليل. ولذلك فإن أي تغيير مفاجئ في طبيعة هذا الخطاب قد يثير لدى الجمهور تساؤلات مشروعة حول ما يجري داخل هذه المؤسسات .
*ومن ناحية أخرى، فإن المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد تفرض على الإعلام الرسمي مسؤوليات إضافية، لأن المجتمعات التي تواجه تحديات كبيرة تحتاج إلى إعلام قادر على شرح الواقع بموضوعية وتقديم التحليل المتزن الذي يساعد الناس على فهم ما يجري من حولهم. فالإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتجاوز ذلك ليكون أداة للتفسير وبناء الوعي العام.
*ولا يمكن أيضًا إغفال أن تأخر العودة الكاملة لمؤسسات الإذاعة والتلفزيون إلى مقرها التاريخي في أم درمان يمثل أحد العوامل التي أسهمت في تعقيد المشهد الإعلامي. فالمؤسسات التي تعمل في ظروف انتقالية غالبًا ما تواجه تحديات تنظيمية ومهنية تؤثر في طبيعة العمل داخلها، وقد تضطر إلى اتخاذ قرارات استثنائية لضبط الأداء أو تنظيم الخطاب الإعلامي .
*غير أن مثل هذه الإجراءات ينبغي أن تظل مرتبطة بظروف المرحلة وألا تتحول إلى واقع دائم، لأن قوة الإعلام الوطني تكمن في حيويته وتنوعه وقدرته على استيعاب الآراء المهنية المختلفة داخل إطار المسؤولية الوطنية. فالتجارب الإعلامية العريقة تُبنى عبر تراكم الخبرات، ولا يمكن الاستغناء عن هذه الخبرات دون أن يترك ذلك أثرًا واضحًا على مستوى الأداء المهني .
*إن إعادة بناء الإعلام الرسمي في السودان لا تعني فقط استعادة البث الكامل أو إعادة تشغيل المؤسسات من مواقعها الأصلية، بل تعني قبل ذلك إعادة الاعتبار للفلسفة المهنية التي قامت عليها هذه المؤسسات منذ نشأتها. فالإعلام الوطني الحقيقي يقوم على المهنية والرصانة واحترام عقل الجمهور، كما يقوم على الاستفادة من التجارب الإعلامية التي أسهمت في تشكيل هويته عبر العقود .
*ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة هادئة لما جرى داخل المؤسسات الإعلامية خلال الفترة الماضية، مراجعة لا تهدف إلى البحث عن أخطاء بقدر ما تسعى إلى فهم التحديات التي واجهت هذه المؤسسات وكيفية تجاوزها. فالأزمات غالبًا ما تكشف مواطن الضعف، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام فرص الإصلاح والتطوير .
*وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الإعلام الرسمي ليس مجرد مؤسسة حكومية، بل هو جزء من الذاكرة الوطنية للسودانيين. فالصوت الذي خرج لعقود من استديوهات أم درمان لم يكن مجرد موجات عبر الأثير، بل كان تعبيرًا عن روح وطن وتاريخه وثقافته .
*ولهذا فإن عودة الإذاعة والتلفزيون إلى كامل عافيتهما لن تتحقق فقط بعودة الأجهزة إلى مواقعها، بل بعودة الروح المهنية التي صنعت مجد هذه المؤسسات عبر تاريخها الطويل. وعندما تستعيد هذه الروح حضورها داخل بيت الإذاعة والتلفزيون، سيعود معها ذلك الصوت الواثق الذي ظل يرافق السودانيين في أفراحهم وأزماتهم، ويذكرهم دائمًا بأن الإعلام الحقيقي ليس مجرد خبر يُذاع أو صورة تُبث، بل هو ضمير وطن وصورة أمة وذاكرة شعب .