آخر الأخبار

السودان.. اختبار الاتحاد الأفريقي أمام التاريخ

 

لمياء موسى

*تحيةٌ عطرة لكل قارئ يؤمن أن الإخلاص في العمل هو أساس القيمة الحقيقية لأي إنجاز، وأن توحيد الجهود هو الطريق الأصدق لصناعة أثرٍ حقيقي.

*لقد علّمتنا دراسات العلاقات الدولية أن المنظمات الإقليمية ليست مجرد أطر بروتوكولية للتعاون بين دول متجاورة، بل أدوات فاعلة لمعالجة النزاعات، تعكس قدرة الدول على حماية مصالحها وضمان بيئة سياسية واجتماعية مستقرة.

*ويكتسب هذا الدور شرعيته من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما في الفصل الثامن منه، الذي يمنح التنظيمات الإقليمية دورًا محوريًا في احتواء الأزمات؛ إذ يفترض بها أن تكون وسيطًا قريبًا وفاعلًا في كبح النزاعات قبل أن تتسع دوائرها وتستدعي تدخل المجتمع الدولي بأدواته الأكثر قسوة وتعقيدًا، مؤكدًا أهمية التعاون مع الأمم المتحدة، والاعتراف بقدرتها على فهم محيطها السياسي والاجتماعي والاستجابة السريعة لمتغيرات الأزمات.

*ومن هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا بدا الاتحاد الإفريقي عاجزًا عن تحويل حضوره السياسي إلى أداة توقف نزيف السودان؟ لماذا فشلت المبادرات في تحويل القلق الرسمي إلى تأثير ملموس على الأرض؟ هل يكمن الخلل في بنية الاتحاد نفسه، أم في التوازنات الإقليمية، أم في طبيعة الصراع السوداني الذي تجاوز قدرة الوساطة التقليدية على احتوائه؟

ذلك ما سنحاول استكشافه في هذا المقال.

*منذ اللحظات الأولى لتفجّر الأزمة السودانية، بادر الاتحاد إلى إطلاق مبادراتٍ حوارية، شملت تشكيل لجنةٍ رفيعة المستوى قامت بجولاتٍ واسعة ولقاءاتٍ مع الأطراف السودانية لتقريب وجهات النظر المتباينة. ولم يتوقف مجلس السلم والأمن الإفريقي عن إصدار بيانات تعكس قلقه تجاه وحدة السودان وسيادته، داعيًا الأطراف إلى وقف التصعيد العسكري وإتاحة مناخٍ سياسيٍّ لحوارٍ شامل يسهم في تسويةٍ مستدامة، ومؤكدًا رفضه للتدخلات الخارجية التي من شأنها تعقيد الأزمة وتأجيج الصراع

غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة على الواقع الميداني.

*فالقتال لم يتوقف، والحياة اليومية للسودانيين لا تزال مشحونة بالخوف وعدم اليقين، فيما يبقى الالتزام بالاتفاقات هشًّه.

*هل يعود ذلك إلى أن الاتحاد، رغم مكانته السياسية والدبلوماسية، يبدو أحيانًا كأنه يراقب الأزمة من بعيد، عاجزًا عن فرض واقع جديد يوقف النزيف، بحيث يظل تأثيره محصورًا بالبيانات والتحذيرات، بينما تتصاعد الأحداث على الأرض بلا رادع؟ أم لأن المشهد السوداني معقّد بتعدد أطراف النزاع وميليشياته المحلية، مما يجعل عملية الوساطة صعبة ويحوّل الالتزام بأي اتفاق إلى أمرٍ واهٍ؟

أم لعلّ مردّ ذلك يكمن في تشابك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لقوى خارجية فاعلة في السودان، والتي ترى في استمرار النزاع مدخلًا للحفاظ على نفوذها أو توسيع نطاق مصالحها؟ وقد أسهم دعم بعض الأطراف، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، في زيادة تعقيد المشهد، بما أضعف فاعلية دور الاتحاد الإفريقي، وقيّد قدرة مخرجات التفاوض على إحداث أثرٍ حقيقي.

*أم ربما يُعزى ذلك إلى التباين العميق بين الدول الأعضاء في مقارباتها إزاء الأزمات الإقليمية، حيث تنعكس اختلافات المصالح الوطنية وتباين الأولويات السيادية على قدرة الاتحاد في بلورة موقف موحّد جامع. وقد أفضى هذا التشتّت إلى إضعاف فاعلية آليات التدخل الجماعي، وتقليص حضوره بوصفه فاعلًا إقليميًا مؤثرًا.

ولم يقف الأمر عند تخوم التباين الداخلي، بل ازداد تشابكًا تحت وطأة الضغوط الخارجية المتعددة التي تعرّضت لها دول الاتحاد، فألقت بظلالها الثقيلة على تماسكه، وأربكت توازناته السياسية، وجعلت من قراره أسير التردد، بعيدًا عن الحسم في مواجهة أزمات تتسارع إيقاعاتها.

*وعلى إثر ذلك، انحسر حضوره في ملفات حيوية، رغم ما يتيحه رصيده المؤسسي من أدوات سياسية ودبلوماسية، بما أضعف قدرته على مواءمة تحركاته مع غاياته في ترسيخ الاستقرار وصون السيادة وتعزيز التكامل القاري. وهو ما انعكس في تراجع دوره القيادي في تسوية النزاعات، وتراجع فاعلية مبادراته في دفع مسارات السلام.

*وبذلك تتحوّل الأزمة السودانية إلى مقياسٍ حقيقي لقدرة الاتحاد الإفريقي على الابتكار في إدارة النزاعات المعقدة، واختبارًا لاستعداده للارتقاء من الوساطة التقليدية إلى دور فاعل قادر على صياغة السلام بشكل مستدام. فقد بقيت جهود الحوار، رغم تعدد المبادرات، متفرقة وغامضة النتائج، مع غياب برامج تنفيذية واضحة وآليات متابعة تضمن الالتزام المستمر وتحقيق أثر ملموس على الأرض.

*أما إذا انتقلنا إلى أفقٍ موازٍ تُصان فيه مكانة الاتحاد الإفريقي ويُحتفى بدوره، كان عليه منذ اللحظات الأولى للأزمة فرض وقفٍ فوري وشامل لإطلاق النار، مقرونًا بمهلة زمنية واضحة وآلية رقابية صارمة تشمل إنشاء بعثة مراقبة أفريقية تضم ضباطًا محايدين لمتابعة الالتزام بالوقف وتأمين الممرات الإنسانية، ورفع تقارير مباشرة إلى مجلس السلم والأمن لاتخاذ إجراءات عاجلة ضد المخالفين.

*كما كان حريًّا أن يصاحبه ضغطٌ سياسي صارم على جميع القوى المسلحة – من الجيش وقوات الدعم السريع إلى الميليشيات المحلية- لتفكيك سطوتها العسكرية أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة تحت مظلة انتقالية، مع إشراف لجنة أفريقية متخصصة على العملية وفق جدول زمني منضبط، وبإشراف دولي يضمن الشفافية والالتزام.

*أما على الصعيد السياسي، فيستدعي الأمر وضع خارطة طريقٍ ملزمة، واضحة المعالم، تضبط الانتقال ضمن سقفٍ زمني محدد، وتفضي إلى تشكيل سلطة انتقالية جامعة تمثل القوى السياسية والمدنية كافة، وتكفل المشاركة الحقيقية وصون الحقوق.

*أما البعد الإنساني، فيتطلب إرساء ممراتٍ آمنة ومناطق محمية بضماناتٍ دولية، تكفل انسياب الغذاء والدواء والمأوى إلى المدنيين دون انقطاع أو ابتزاز، على أن تُناط ببعثةٍ أفريقية مهمة الإشراف على توزيع المساعدات لضمان وصولها إلى مستحقيها بكفاءةٍ ونزاهة بعيدًا عن أي توظيفٍ سياسي

وأخيرًا، إذا استمرّت الأطراف في التعنت، كان ينبغي تفعيل عقوبات اقتصادية وسياسية دقيقة للمخالفين، سريعة التنفيذ وواضحة الأثر، لتكون أداة ضغط حاسمة. بالإضافة إلى نشر قوةٍ أفريقية محدودة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، ذات طابعٍ رمزي وتنفيذي، لحماية المدنيين وفرض مناطق لوقف إطلاق النار؛ فالدبلوماسية لا تبلغ تمام أثرها ما لم تُسندها قدرةٌ على التنفيذ تجعل من خرق الاتفاقات مكلفًا.

*وحيث إنّ الدعم الخارجي أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مهمة الاتحاد، أصبح من الضروري تشييد اصطفاف دبلوماسي متماسك يُنسّق بين الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الدول العربية، ومنظمة (إيغاد)، لتوحيد الضغط الدولي والإقليمي وإغلاق منافذ الدعم الخارجي بما يحدّ من تغذية النزاع ويهيّئ بيئة لتغيير سلوك الأطراف.

*فكلما التقت الإرادة الإفريقية مع الدولية، ارتفعت كلفة تجاهل الضغوط سياسيًا ودبلوماسيًا على الدول المتورطة. وكان بوسع الاتحاد إعداد قائمة رسمية بالدول والجهات الداعمة، إذ يمكن للبعد الإعلامي أن يكون أكثر تأثيرًا من الأدوات القانونية والدبلوماسية، حيث يخلق كشف الجهات المساهمة في النزاع ضغطًا سياسيًا وأخلاقيًا يرفع كلفة استمرار الدعم ويوثّق المسؤوليات.

كما يمكن دمج الضغط مع الحوافز عبر عروض إيجابية كإقامة شراكات اقتصادية وأمنية أو توسيع مجالات التعاون التنموي مع المؤسسات الإفريقية؛ إذ يتيح هذا التوازن خلق بيئة أكثر قابلية لتعديل السلوك السياسي، مع إمكانية فرض عقوبات على الممتنعين لتعزيز المساءلة وجعل استمرار الدعم خيارًا مكلفًا

*هذا النهج يبعث رسالة حاسمة: مغذّو الحرب سيدفعون الثمن، بما يدفع الأطراف السودانية لوقف القتال والانخراط في مسار سياسي نحو الاستقرار

ومن هنا أوجه النداء إلى الاتحاد الإفريقي.

*أنت لست مجرد منظمة إقليمية، بل تجسيد لحلم القارة في فضاء متكامل يقوم على التعاون، والتنمية، وصون السلم، والأمن. نشأت لتكون إطارًا جامعًا لإرادة الأفارقة، وحارسًا لاستقرارهم في عالم تتزاحم فيه المصالح وتتقاطع فيه النفوذ.

لا تنتظر من أحد أن يذكّرك بدورك، ولا تعوّل على القوى الدولية لملء الفراغ. فالقارة التي أنجبتك قادرة، عبرك، على رسم طريقها والدفاع عن مصالحها بإرادتها. قوة الاتحاد لا تُقاس بعدد بياناته، بل بقدرته على تحويل مبادئه إلى أفعال تصنع الفارق في لحظات الأزمات.

*اليوم، أفريقيا في أمسّ الحاجة إلى دورك الفاعل، ليس فقط لاحتواء مأساة السودان، بل لحماية مستقبل القارة من الانقسامات والتدخلات الخارجية؛ فاستقرار السودان حجر أساس لاستقرار القارة، وأي نزاع يُترك يفتح أبوابًا أوسع للتدخل في شؤونها.

أفريقيا قارة غنية بمواردها الطبيعية والثروات الهائلة، من أراضٍ خصبة ومعادن وطاقة، إلى إمكانات بشرية شابة قادرة على أن تجعل القارة شريكًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي لا مجرد ساحة للصراعات، لكنها تحتاج إلى بيئة مستقرة ومؤسسات قوية تعزز التعاون وتمنع النزاعات من تقويض التنمية.

*ولهذا أقول مجددًا: قم بدورك كما يجب، وارتقِ إلى مستوى الأمل الذي وضعته فيك شعوب أفريقيا. فالقارة لا تحتاج مجرد مؤسسة، بل إلى قيادة قارية قادرة على حماية استقرارها وصون مستقبلها. وأفريقيا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تنتظر منك أن تكون على قدر هذا الدور.

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن