آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (43) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (س))

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*إذاً لتبدأ.. وجه هذه الكلمات الأخيرة لتشينتو فيتش بنبرة حادة كادت أن تكون فظة؛ لكن هذا رمقه بنظرة هادئة متمهلة كان فيها تصلب القبضة المشدودة.

*فجأة ساد جو مختلف من توتر منذر وكراهية مقيتة بين اللاعبين لم يعد لعباً بين غريمين يريد كل منهما اختبار إمكانياته أمام الآخر، بل عدوان تعهد كل منهما أن يسحق الآخر، انتظر تشينتو فيتش طويلاً قبل أن يبدأ الخطوة الأولى، وتكون لديّ شعور دفين أنه تعمد هذه الإطالة.. من الظاهر أنه اكتشف بتمرسه أن البطء يرهق خصمه  ويستثير أعصابه.هكذا لم يقم بأي حركة مهما كانت بديهية أو سهلة كالافتتاحية التقليدية بتقديم بيدق الملك خطوتين إلا بعد فوات ما لا يقل عن أربع دقائق. وعلى الفور رد صديقنا بتقديم قطعته أيضاً، لكن تشينتوفيتش  عاد ليتركنا ننتظر وقتاً آخر، بما لا يحتمل كإنتظار الرعد الذي لا يأتي من بعد البرق بقلب خافق.

*أما تشينتوفيتش فلا يتحرك، وأخذ وقته في التفكير والتأني، مما زاد تأكدي من سوء نيته؛ لكنه أتاح لي بذلك فرصة سانحة لأراقب الدكتور (ب) . كان قد شرب كوبه الثالث من المياه، فتذكرت ظمأه الذي حكى عنه وهو في الزنزانة بدت عليه كل أعراض الإثارة المرضية واضحة؛ جبينه يتعرق ولون ندبة يده تزداد احمراراً. بقي مسيطراً على نفسه حتى وصل للحركة الرابعة لتشينتوفيتش الذي كان يتماطل في التفكير حتى خرج عن وقاره وصاح فيه فجأة: – (فلتعلب).

*رفع تشينتوفيتش عينيه في برود

لقد اتفقنا حسب علمي على عشر دقائق للتفكير بين الحركات. أنا لا أتعجل الوقت من حيث المبدأ.

*أخذ الدكتور (ب) يعض شفتيه، ولاحظت قدمه تحت الطاولة وهي تهتز بعصبية متزايدة على الأرض، وانتقل توتره إليّ، فأحسست بهاجس أن ثمة شيئاً يلوح في  الأفق.

*وبالفعل مرة ثانية وقع شيء بعد الحركة الثامنة، كاد صبر الدكتور (ب) ينفد وهو ينتظر حتى بات غير قادر على إخفاء توتره، فبدأ يهتز إلى الأمام والخلف، ويضرب بأصابعه على الطاولة دون أن يدرك. مرة أخرى رفع تشينتو فيتش رأسه الريفي الثقيل:

أرجو عدم النقر على المنضدة، أنا منزعج فعلاً، ولا أستطيع اللعب هكذا.

نهاية المداد:

أَعوامُ وَصلٍ كانَ يُنسي طولَها

ذِكرُ النَوى فَكَأَنَّها أَيّامُ

ثُمَّ اِنبَرَت أَيّامُ هَجرٍ أَردَفَت

بِجَوىً أَسىً فَكَأَنَّها أَعوامُ

ثُمَّ اِنقَضَت تِلكَ السُنونُ وَأَهلُها

فَكَأَنَّها وَكَأَنَّهُم أَحلامُ

 (أبو تمام)