
(رواية الكروان لا يغرد دائماً).. مقاربة تطبيقية في سياق ثقافي 1_ 2
أ. أبوطالب محمد
مقدمة:-
يلاحظ الدارس لتاريخ السودان قديمه وحديثه أن كل المؤثرات الكبرى تقريباً قد دخلت البلاد عن طريق النيل وعبر أرض النوبة. فقد أدى هذا النهر دوراً كبيراً في تشكيل تاريخ النوبة وتاريخ السودان عموماً. ففي الأزمان القديمة أرسل عظماء الفراعنة الذين ينتسبون إلى الدولة الوسطى أساطيلهم إلى أعالي النهر فيما وراء الشلال الأول وبنوا مدنهم ومعابدهم على امتداد الشاطئين في بلاد النوبة وانشأوا دفاعاتهم عند الشلالين الثاني والثالث وهكذا امتدت أولى الحضارات التي عرفها العالم إلى تلك المنطقة وبعد قرون من الحياة المستقرة تقدم الكوشيون في الجنوب وغزوا النوبة ونهبوا مدنها ثم ساروا شمالاً حتى أخضعوا مصر، ولكن الفراعنة سرعان ما استعادوا قوتهم واسترجعوا ما فقدوه من البلاد. وفي فجر المسيحية استقل الآباء المسيحيون مراكبهم من (رشيد) إلى النوبة حاملين الإنجيل وراعين إلى سبيل السلام فأموا في خرائب المدن الفرعونية القديمة وبنوا كنائسهم على أنقاض المعابد، وعلى نقيض قدماء المصريين نشر الآباء المسيحيون نفوذهم حتى بلغ أقاصي السودان وأخذوا في بناء المدن والكنائس حتى بلغوا علوة جنوبي الخرطوم حيث اقاموا مملكتهم المسيحية، ثم انتشر الإسلام في منتصف القرن الثامن الميلادي عندما اندفع المسلمون العرب وهم مشبعون بقوة الإيمان على طول ضفتي النيل من مصر إلى بلاد النوبة وأقاموا حضارتهم الإسلامية الجديدة فوق آثار المملكة المسيحية المحتضرة.
تعرضت بلاد النوبة لأحداث متعددة غيرت عناصر سكانها على مرّ الزمن، ولكنها طبعتهم بطابعها المميز، وحافظت على عوامل إرثها الحضاري جيلاً بعد جيل، مما أفسح لشعب سودان وادي النيل القديم مكانة مرموقة بين الأمم القديمة، وحملت البلاد أسماء مختلفة في مراحلها التاريخية المتعاقبة. عرفت بلاد النوبة بأرض كوش وكاشو وأثيوبيا وتمتد أرض النوبة من الشلال الأول إلى الشلال الرابع، ويذكر آدمز في كتابه Nubia تمتد المنطقة النوبية قديماً حتى الشلال الأول إلى الشلال السادس، أما النوبة الحديثة فتمتد من الشلال الأول إلى الشلال الرابع، وحتى المنطقة التي احتفظت بلغتها وثقافتها وإرثها الثقافي أما باقي الأجزاء فقد تأثرت باللغة العربية والوجود العربي. يتميز الشعب النوبي على اختلاف قبائلهم أنهم أقوام ذي طبيعة محافظة، شديدة التمسك بتقاليدهم وعاداتهم المختلفة في الطبيعة المحافظة في العديد من أمور حياتهم وتقاليدهم القديمة، بحسبان أن ظاهرة التمسك بمنازلهم الطبيعية ذات الطراز التقليدي المميز، التي يقومون بتشيدها بأنفسهم، كما يتميزون بالشخصية الواقعية والقدرة على تقبل الآخر بكل سهولة ويسر والاندماج معه في محيطه الجغرافي أو البيئي دون أن يفقد شخصيته كينونتها وهويتها وخصوصيتها التي تتميز بها ويؤيد ذلك تصاهره مع القبائل التي تعيش معه مصداقاً لأمثالهم التي تقول:(أولاد أولادنا أولادنا، وأولاد بناتنا أولادنا).
الرواية قيد الدراسة للكاتب عمر طه صدرت عن دار مدارك للطباعة والنشر والتوزيع في العام 2017م، حيث تطرقت إلى حياة الريف السوداني النوبي من وجه نظرية إنسانية عامة وبمعنى آخر أن الرواية لم تنحصر في المجتمع النوبي وحده بل وسعت مسارات سردها إلى بيئات أخرى وفي هذا الصدد يقول حجاج أدول :(من يقرأ الأدب النوبي على أنه أدب يعبر عن الشعب النوبي فقط، يظلمه ظلماً جهولاً الأدب النوبي مثلما هو يعبر عن الشعب النوبي في وقت معين وحالة معينة بتداعيات جغرافية وتاريخية ونفسية، فهو يمتد جنوباً ليعبر عن قطاع إنساني مشترك مع بقية البشر أجمعين).
يؤكد هذا الاستدلال على رواية الكروان لا يغرد دائماً بحيث أنها مدت أشرع موضوعاتها السردية على شعوب سودانية أخرى. وانفتحت على سياق موضوعات سوسيوثقافية عديدة استهلتها بموضوع الرق والنزوح والتهجير (تهجير أهالي حلفا) وسيرة سوسيوثقافية عن المجتمع النوبي، ووسعت دائرة سردها على قضية الهوية وصراعات السلطة السياسية (صراع العُمد)، وأولت الرواية اهتماماً بالغاً بالتاريخ السياسي في فترة المهدية وركزت على المسترقين في معركة توشكي . تأسست الرواية على جميع هذه القضايا في وتائر سردية متنقلة منتظمة من مكان إلى آخر ومن قضية إلى أخرى بطريقة سرد متناوب بين الشخصيات وتعدد الرواة في سرد تفاصيل المجتمع الواقعي والمتخيل ومجالات ثقافاته المتنوعة المتداخلة.
نواصل..
* شارك بها في المؤتمر العلمي السادس عشر للرواية السودانية_ مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي
_ آيديولوجيا الخطاب الروائي (قراءات في تجارب روائية) 2020م