آخر الأخبار

أسباب رداءة الطرق في السودان (3-3)

  • الشاحنات سبب رئيسي في إنهيار طريق شريان الشمال
  • إختفاء الطبقة الأسفلتية تماما بمناطق الباجة، جبره، القوز
  • إستشاري هندسة طرق: الطريق يحتاج لإعادة تشييد من جديد مع وضع ضوابط صارمة تمنع مرور الشاحنات ذات الحمولات الثقيلة
  • لماذا ظهرت أعراض الشيخوخة على الطريق وهو في ريعان الشباب؟

تحقيق ــ التاج عثمان:
مهندس وخبير تركي في تشييد الطرق أنجز معظم طرق مدينة إستنبول التركية إنتهزت فرصة زيارته للسودان وأجريت معه حوارا مطولا عن صناعة الطرق نشر بصحيفة (الراي العام) السودانية قبل سنوات.. كان سؤالي الأول له: ما رأيك في شوارع العاصمة الخرطوم؟.. أجاب بسخرية مهذبة لكنها موجعة:” هو إنتو عندكم شوارع”.. ومن خلال سياق الحوار شرح لي أسباب رداءة الطرق بالعاصمة الخرطوم وإمتلائها بالحفر وتفتتها وتصدعها رغم عمرها القصير مشيرا ان إستخدام الخرسانة الحمراء الملساء سبب رئيسي لذلك.. (أصداء سودانية) تحصلت على معلومات غاية في الأهمية وتكشف من خلال هذا التحقيق الصحفي الأسباب الحقيقية لظاهرة رداءة الطرق البرية والداخلية في السودان.
طريق إستراتيجي:
طريق شريان الشمال يعد من الطرق الإستراتيجية المهمة في السودان، فهو طريق دولي يربط بين السودان وجمهورية مصر العربية، وله أهمية كبرى في حركة التجارة بين البلدين الشقيقين.. فداخليا يربط مسار الطريق عددا من المدن بالولاية الشمالية: (الحماداب الجديدة ــ الدبة ــ مروي ــ دنقلا ــ حلفا القديمة)، وذلك عبر التقاطع المعروف بـ(الملتقى)، والذي يتفرع منه طريق فرعي إلى مروي ثم سد مروي، مارا بعدد من مناطق وقرى الولاية بتلك الجهة.. ودوليا يمتد من مدينة امدرمان وحتى مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية ومنها إلى حلفا القديمة وصولا لمعبر أرقين الحدودي مع مصر.. طول الطريق 500 كيلو متر، تم إفتتاحه عام 2001، وتنوعت دراسات المشروع ما بين الجهد الحكومي والشعبي.. وشهد العام 1986 تشكيل أولى اللجان الشعبية للطريق بواسطة أبناء الولاية الشمالية المغتربين بالمملكة العربية السعودية.
قامت بتنفيذ الطريق شركة شريان الشمال وهي من الشركات التي نفذت العديد من الطرق بولايات شمال السودان وجنوب دارفور وولاية الخرطوم، وهي تضم كوكبة ممتازة من المهندسين والفنيين ذوي الخبرات الثرة والمتراكمة، وكثير منهم يعمل حاليا بدول الخليج وغيرها.. وكان تنفيذ الطريق في منطقة صحراوية جدباء قاحلة تتميز بكثافة الرمال المتحركة في موسم الشتاء، وتفتقد لمواد الردم والأساس المساعد والاساس، ورغم ذلك إجتهد المهندسون والفنيون ونجحوا في الحصول على مواد الردم اللازمة للطريق والتي تطابق المواصفات المطلوبة من مناطق بعيدة من مسار الطريق.
ورغم أن الطريق لا يزال في عمر الشباب إلا ان أمراض شيخوخة الطرق بدأت تظهر على وجهه وجسمه وكل مفاصله لدرجة يرثى لها حقيقة.. حيث حدث له إنهيارا كاملا وأصبحت تغطية الحفر الواسعة والعميقة الخطرة، وتلاشت الطبقة الأسفلتية والطبقات العليا تماما في قطاعات كثيرة منه مما تسببت في حوادث مرورية قاتلة في بعضها.. والطريق بحالته السيئة الراهنة يمثل معاناة للمسافرين عبره، وإزهاقا لأرواحهم وإهدارا لوقتهم.. كما تسبب في خسائر كبيرة للمركبات التي ترتادة بمختلف أحجامها حيث ان عبورة يعني حادث، او خسائر، او تلف قطع الغيار لا محالة.
شاهد من أهلها:


الأستاذ، عمر إسماعيل، سكرتير التحرير والكاتب الصحفي المشهور، إتصل بي عقب نشر الحلقتين السابقتين عن حال الطرق بالسودان، وطلب مني تخصيص حلقة منفردة عن طريق شريان الشمال لأهميته وحالته الراهنة التي يرثى لها، وتصادف أنني كنت وقتها أجهز فعلا في حلقة خاصة بهذا الطريق الإستراتيجي الحيوي الهام، رغم أنني تناولته سريعا من خلال الحلقة الثانية إلا أنها لم تكن شافية فيما يبدو بالنسبة لأستاذي، عمر إسماعيل.. قال لي الأستاذ عمر:
كنت أحد أعضاء لجنة الطريق برئاسة خبير الطرق، د. سوار الذهب أحمد عيسى، رئيس اللجنة الشعبية للطريق، وكنت ضمن كوكبة من الصحفيين في اللجنة الإعلامية للطريق، أذكر منهم الأساتذة: زاهر الكندري، وعماد أبو شامة وآخرين.. والطريق أصلا كان يطلق عليه طريق (الشمال تو)، بينما طريق التحدي عطبرة (الشمال ون)، فإقترحت على اللجنة الشعبية للطريق تغيير الإسم إلى (شريان الشمال) وذلك عام 1994 وتمت الموافقة على الإقتراح.. وحقيقة الطريق تحول إلى حقل تجارب لعدد من شركات الطرق كل شركة تنجز قطاع او جزءا منه ثم تنسحب.. ملاحظتي على هذا الطريق الحيوي الهام عدم توفر الماء على طول مساره اللهم سوى منطقة التمتام.. وحسب إرتيادي المتكرر للطريق فإن أكثر أجزاء الطريق المتضررة لدرجة الإنهيار لدرجة انها تحولت لطريق ترابي بعد إختفاء الطبقة الأسفلتيه منها تماما، هي مناطق: (خور أبو ضلوع ــ الباجة ــ جبرة ــ القوز).. وأنا لست مهندسا للطرق لكن في إعتقادي ان الشاحنات الضخمة ذات الحمولة الكبيرة التي تفوق حمولة الشارع التصميمية، والتي ترتاده من وإلى سد مروي ومصر هي السبب الرئيسي في إنهيار الطريق بهذه الصورة الغريبة والمؤسفة
أسباب إنهيار الطريق:
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا انهار طريق شريان الشمال هذا الطريق الإستراتيجي الهام بمثل هذه المشهد المؤلم الذي يعرفه كل من إرتاده رغم انه لا يزال في عمر الشباب؟.. إستشاري هندسة الطرق، عبد الرؤوف أحمد محمد عبد الله، المتخصص في إختبارات التربة والخرسانة والأسفلت والكباري، وعمل لسنوات طوال مع بعض شركات الطرق داخل السودان، وحاليا يعمل في نفس تخصصه المذكور بمختبر خاص للطرق بالدمام بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، يجيب على السؤال بالتفصيل بقوله:
الشاحنات هي السبب الرئيسي لإنهيار طريق شريان الشمال، فأثناء تنفيذه كانت هناك شاحنات ثقيلة تحمل حمولات زائدة تمر على الطريق قبل إكتماله وإفتتاحه، وإستمر ذلك بعد تنفيذه مما أثر على طبقات الطريق سواء كانت ردميات او أساس مساعد، او أساس، او طبقة اسفلتية، وكان ذلك بسبب عدم إلتزام سائقي الشاحنات وغيرها السير على طريق الخدمات والذي يقع بجانب مسار الطريق الرئيسي والذي تم تهيئته بردميه ممتازة لتعبر من خلاله الشاحنات والسيارات الأخرى اثناء تشييد الطريق.. لكن الشاحنات كانت لا تسلك طريق الخدمات بل تسير على الطريق الاسفلتي قبل إكتماله وذلك يعود لإنعدام الرقابة وعدم وجود موازيين خاصة تحدد حمولات الشاحنات ذات الحمولات العالية (أوفر لوود) أثناء وبعد تنفيذ الطريق.. وظلت الشاحنات بحمولتها الكبيرة تلك تمر على الطريق بعد إكتمال تشييده مما أدى إلى هبوط في طبقات الردميات وطبقات الأساس المساعد والأساس وذلك أدى إلى تكسر الطبقة الاسفلتية في مساحات وأجزاء متعددة بالطريق من امدرمان إلى سد مروي.
وبالرغم من عمل إعادة تأهيل لهذا الطريق من امدرمان، إلى سد مروي بداية 2004 بإشراف شركة (نيوتك) الإستشارية وهي من أميز الشركات الإستشارية للطرق بالسودان والدول الافريقية، وكان تنفيذ إعادة التاهيل بواسطة شركة زادنا للطرق وهي تمتاز بطاقم هندسي جيد ومعدات وآليات ومختبرات حديثة.. وكانت إعادة تأهيل الطريق ممتازة لا شائبة فيها حيث تمت معالجة طبقة الأساس بوضع طبقة أساس جديدة مكونة من الحجر المكسور والرمل، وتم التنفيذ بواسطة مواد خاصة بذلك.. بعدها تم وضع طبقة اسفلتية حسب المواصفات المطلوبة، لكن إستمرار سير الشاحنات ذات الحمولات الثقيلة والتي تأتي من ميناء بورتسودان إلى سد مروي ظلت تسير كما يحلو لها على الطريق طيلة فترة تشييد السد بدون وجود رقابة على الطريق من حيث وضع موازين خاصة تحدد حمولة الشاحنات والتي تتناسب مع تحمله لحمولة الشاحنات، وإلا كان من المفترض منع مرور الشاحنات ذات الحمولات العالية ليتم توجيهها للسير على الطريق الجانبي الردمية لكن ذلك لم يحدث.. إستمر ذلك طوال فترتي تنفيذ وإعادة تأهيل الطريق، وفترة تشييد سد مروي.. وما زاد الطين بله السماح للشاحنات ذات الحمولات الثقيلة القادمة من مصر بإرتياد الطريق بلا رقابة وبلا موازيين تحدد حمولتها.. كل ذلك تسبب في هبوط طبقات الردم وطبقتي الاساس والاساس المساعد، وبالتالي حدث تكسر للطبقة الاسفلتية في معظم أجزاء الطريق وإنهياره بالكامل.
توصيات فنية:
أخيرا يقترح إستشاري هندسة الطرق، عبد الرؤوف أحمد محمد عبد الله، عددا من التوصيات الفنية لمعالجة طريق شريان الشمال، يلخصها في النقاط التالية:
ــ عمل إعادة تأهيل لكامل الطريق مع محاولة عمل مسارين منفصلين ــ وضع ضوابط لمرور الشاحنات من حيث الوزن المسموح به والذي يتحمله الطريق وبالتالي منع الشاحنات ذات الحمولات العالية من السير فيه ــ وضع موازيين خاصة وحديثة لتحديد حمولات الشاحنات ــ متابعة اعمال الصيانة الدورية لكل الطريق خاصة أنه يمثل اكبر قطاع من طريق الصادر والوارد لجمهورية مصر العربية الشقيقة ــ مراجعة مناطق الزحف الصحراوي التي تغطي الطريق وتسبب في بعض الحوادث المرورية وذلك بعمل كباري او تعلية الطريق تفاديا لتراكم الرمال على الطريق، بجانب عمل كباري بمجاري السيول ــ عمل لافتات مرورية بطول الطريق لتوضيح المنحنيات والمنخفضات، ومناطق الزحف الصحراوي، وأماكن عبور الحيوانات خاصة الإبل، مع إنارة الطريق، والحرص على تشييد إستراحات حديثة على مسافات مناسبة من الطريق.