آخر الأخبار

ويتكرر السؤال … ماذا تريد الإمارات من السودان؟

  • أبوظبي فعلت (كل شئ) لتحصل على (كل شئ) وبابخس الأثمان
  • الإمارات تسعى لإنقاذ استراتيجيتها عبر(النوافذ) بعد أن عجزت من تطبيقها عبر (الأبواب)
  • استحواذ الإمارات علي السودان (الموارد والإنسان) هدف استراتيجي قديم لكنه يتجدد بشكل (مرحلي)

تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
بدأ واضحا ومن خلال تداعيات الأحداث أن دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة رئيسها محمد بن زائد بدأت في إجراء مراجعات دقيقة في أهدافها الاستراتيجية التي خططتها ونفذتها عبر حرب 15 أبريل2023،م في السودان ومبعث هذه المراجعات التراجع الكبير لقوات الدعم السريع المتمردة في مسارح العمليات, فيكاد وجودها بدأ في الانكماش وبعد أن كانت تبسط سيطرتها جغرافيا في السودان بنسبة تزيد على الستين بالمائة أصبحت الآن في حدود الرقعة الجغرافية لولايات شرق وجنوب وغرب ووسط دارفور مع مواقف بطولية وشرسة للجيش السوداني ومسانديه والقوات المشتركة دفاعا عن ولاية شمال دارفور وعاصمتها التاريخية (الفاشر), اما تواجد القوات المتمردة في مناطق جغرافية في بعض أجزاء من ولايتي جنوب وغرب كردفان وبعض أجزاء من محليات بارا الكبرى (الشريط الشمالي الغربي من ولاية شمال كردفان).
كل شئ يتضاءل إلا(حميدتي):

قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم يوم 19 فبراير شباط 2023. تصوير: محمد نور الدين عبد الله رويترز.

الخطة الاستراتيجية للإما رآت في السودان تقوم فكرتها الأساسية الاستحواذ على موارد السودان المهولة حيث أنها جربت ذلك مع حكومات وطنية لكنها كانت تتمتع بقدر من الاستقلالية وهذا بالطبع يتعارض مع استراتيجية أبوظبي القائمة على فعل ( كل شئ) لتحصل على (كل شئ) وبأبخس الأثمان للحصول على ما تريده وفق استخدام ( الطريقة الميكافيلية) والتي قوامها (الغاية تبرر الوسيلة), لذلك حاولت البحث منذ سنوات عن رجل ينفذ لها هذه الخطة (بوعي أوبدون وعي) فمنذ الظهور اللافت للمتمرد محمد حمدان دقلو الشهير ب(حميدتي) وبعد تقنين قواته (الجنجويد) في قانون إجازة المجلس الوطني السوداني في2017م وقبل ذلك منذ مشاركته في حرب اليمن لمناهضة(الحوثين) في ما عرف بعاصفة الحسم, أخذت أذرع المخابرات الإماراتية تركز على هذه الشخصية البدوية المتطلعة للشهرة والثراء وإثبات الدور والوجود, فتولى تعويضه بشكل شخصي الشيخ طحون بن زائد الرجل الأول في المخابرات الإمارات وأخ رئيس الدولة النافذ داخل الدوائر العليا بدولة الإمارات العربية المتحدة وبعد تغيير 11 أبريل2019م في السودان وبروز(حميدتي) كلاعب أساسي في المشهد السياسي وتقلده لمنصب الرجل الثاني بالدولة بدأ(طحون) يستكمل خطة (ترويض حميدتي) والتي كان هدفها تمكين حميدتي وإبرازه بانه (رجل السودان القوي)على حساب القائد العام للجيش السوداني الفر يق أول ركن عبدالفتاح البرهان.
خصص لحميدتي طائرة لتحركاته خاصة ذات الصلة بالاستراتيجية الإماراتية في السودان والتي كان حميدتي (لايدري ولا يدري انه لايدري عنها شئيا) ولكن الذي كان يدريه أن يكون مطيعا لأبناء زائد لأنهم سيكونوا هم وسيلته للوصول لأهداف وتحقيق طموحاته.
وبفضل انفاذ خطة (طحنون)المحكمة تم ترويض حميدتي لإنقاذ الاستراتيجة الإماراتية والتي انتهت من كل شئ في السودان يتضاءل إلا(حميدتي).
ماذا تريد ابوظبي؟:


السؤال الذي لازال يتكرر ماذا تريد الإمارات في السودان وماذا تريد أبوظبي من السودان والسودانيين, وللإجابة على السؤال لابد من العودة تاريخيا للوراء ومناقشة الخطة الاستراتيجية لدول الخليج في أفريقيا وتحديدا في منطقة القرن الافريقي والذي يعتبر السودان المعادل المهم فيه وبالطبع هذه الخطة الاستراتيجية فيها منافع متبادلة بين دول الخليج ودول القرن الافريقي ولكن تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة استراتيجية منفردة لتحقق ب(الحق ) أو ب(الباطل) أهدافها المرسومة وتقوم على الاستحواذ على (كل شئ) و(بفعل كل شئ) يوصلها لأهدافها تلك.
منطقة القرن الافريقي تمثل بعدا استراتيجيا لدول الخليج والتي تسعى لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستثماري والأمنيات في المنطقة, وتتمثل الأهمية الاستراتيجية للقرن الافريقي للدول الخليجية في الآتي:
-البعد الجيو سياسي: حيث يطل القرن الافريقي عليى باب المندب والمحيط الهندي مما يجعله ممرا للتجارة الدولية لاسيما تجارة النفط استيراد وتصديرا كما أن القرن الافريقي يعتبر معبرا للقوات العسكرية.
-البعد الاقتصادي: تمتلك دول القرن الافريقي ثروات طبيعية ومعدنية ومتنوعة مما يجعلها جاذبة للاستثمارات الخليجية في مجالات الزراعة والثروات الحيوانية والطاقة والتعدين والصناعات التحويلية.
-البعد الأمني: تسعي دول الخليج لتأمين مصالحها وحماية أمنها ومواجهة التهديدات المحتملة والمخاطر المهددة كالجرائم العابرة للحدود والمخدرات والتطرف والإرهاب الدولي والأسلحة المحظورة الاستخدام.
وكان مركز الجزيرة للدراسات قد أصدر في أواخر ديسمبر من 2021م دراسة(القرن الافريقي عمقا استراتيجيا خليجيا) للدكتورمدوخ عجمي العتيبي استاذ العلاقات الدولية أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية بقطر وهي عبارة عن اطروحته للدكتورة وتهدف الدراسة إلى الإجابة على جملة من التساؤلات منها, إلى أي مدى تشكل منطقة القرن الافريقي أحد مكونات العمق الاستراتيجي للدول الخليجية؟ وما طبيعة المعطيات الثابتة التي تميز منطقتي الخليج والقرن الافريقي لتجعل كلا منهما عمقا استراتيجيا للاخر؟وما أفضل السبل لبناء عمق استراتيجي خليجي في القرن الافريقي وفق منطلق الشراكات الاستراتيجية؟.
وبرغم هذه الرؤية الاستراتيجية إلا أن دولة الإمارات العربية وفي سبيل تحقيق الاستراتيجية الخليجية في القرن الافريقي من منظور مصالحها الخاصة سعت بخطوات مغايرة لاكتساب وضعيات تتفرد بها دون غيرها من دول الخليج, وتوسعت بشكل لافت ليس على صعيد القرن الافريقي بل في كل دول أفريقيا جنوب الصحراء حيث اتبعت الإمارات (سياسة التمدد بالمال والصراعات الدموية)حيث استطاعت أن تضخ مليارات الدولارات لتثبيت مصالحها في أفريقيا أوتخلق صراعات دموية لخلق واقع جديد تكون لها (الكلمة الأولى والاخيرة لها) كما كانت قد خططت لذلك في حرب السودان 15 أبريل2023م ودعمت الحرب ولما فشل وكيلها في تحقيق هدفها الاستراتيجي الرامي لتفكيك الدولة السودانية لعدم معرفتها بخصوصية السودان الإنسان والذي قاتل قتالا شرسا في معركة الكرامة الماثلة الآن مما يشير إلى نهاية المليشيا المتمردة.
فشلت بالباب ولكن:


الملاحظات أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد فشلت في تمرير استراتيجتها (التمدد بالمال ودعم الصراعات) بادارة طواحين الدم ولكنها تحاول أن تدخل عبر النوافذ لتمرير استراتيجتها, لذلك هي تعمل الآن في أكثر من اتجاه, فهي من جهة تحاول (إحياء التمرد وضخ دماء جديدة فيه) وفي نفس الوقت تحاول إبقاء وجودها في دول الجوار (جنوب السودان, إثيوبيا, تشاد, أفريقيا الوسطي, ليبيا (حفتر), حتى تعود للتمرد, وما إنشاء قاعدة سرية جديدة في تشاد إلا تأكيد لمحاولة استحواذها للسودان باي وسيلة, فالسودان الإنسان والأرض جزء أصيل في استراتيجيتها منذ القدم.
ولكنها تحاول تنفيذ ما تريد باي ثمن وفي أي مرحلة فهي تحالف مع الدول الكبرى وتعادي بعضها على أسس مرحلية, ولعل أدق وصف لذلك ما قاله موريني موتيجا مدير برنامج في مجموعة الأزمات الدولية, والذي قال في هذالصدد(إن مشاركة الإمارات في أماكن مثل السودان مدفوعة جزئيا في مكافحة التطرف الإسلامي),لكنه يقول مستدركا (إنها اغتنمت الفرصة لتدعيم اقتصادها باستثمارات في الأمن الغذائي والمعادن الحيوية والطاقة المتجددة), ويضيف قائلا( الصين هي قوة في الوضع الراهن وروسيا قوة والإمارات العربية المتحدة تنحرف بين الإثنين اللاعبين الأساسيين في افريقيا.