محشى الكرنب
السيد أحمد حمزة – مصر:
حين ذهبت لزيارة الأب الأصغر (رابح) الذي هاجر إلى المدينة الكبيرة بعد زواجه ، لالتحاقه بعمل فى شركة (الشوربجي) للغزل والنسيج ، قامت زوجته تُعدُّ طعامًا احتفالًا بزيارة الجدَّة وأحد أحفادها ، الذى كان يرافقها فى سفرها هذا ، كانت قد أحضرت كُرنْبة وخُضْرتها شبت وبقدونس وكزبرة ، ففهمت الجدة أنها سوف تقوم بعمل (محشى الكرنب) بحساء ذكر البط البغَّالى الذى، دخلت به عليهم ، وبعض الكيلوات من الزبدة والجبن القديم والجبن القريش ،وجركن لبن ،وبعض عُقل القضب ، جهزت زوجة الابن الأب (رابح) خلطة المحشى ، الأرز والخُضْرة والتَّوابل ، وقَدْرٍ يسيرٍ من لحم مفروم ، وقطَّعت ورق الكرنب العريض ، إلى قطع صغيرة لحشوها ، وبدأت فى لفّ أصابع الكرنب ، بحشوة الأرز واللحم المفروم .. المخلوط بالبصل والثوم والخضرة ، دخلت الجدَّةُ المطبخ فسألتها زوجة الابن:
ها تعْملى إيه يا أمًّا ؟
ردَّت الجدَّةُ بأساريرٍ منبسطةٍ واطمئنان:
أساعدك فى عمل المحشى .. أحْشِى معاك.
نظرت إليها زوجة الابن قائلة بسخرية متعالية:
لا لا لا ما تتعبيش نفسك .. مش ها تعرفى تحْشى ،أنا مقطَّعَة ورق الكرنب صوابع صغيّرة.
التفتت إليها الجدة بغضب ، وأخرجت صوتًا من بين شفتيها كصوت الضراط ، ورفعت رجلها ..وصوبت قدمها فى وجه زوجة ابنها ، وأمسكت أصبع رجلها الصغير.. البنصر، وقالت مستنكرة:
شايفة صابع رجلى ده ، يحشى أحسن منك
وتناولت السكين ،وراحت تقطع كل رصَّة ، من ورق الكرنب ، إلى نصفين ، فصارت الورقة ورقتين صغيرتين ، فصرخت زوجة الابن، تنادى الأب (رابح) الذى جاء مسرعاً
يا رابح .. رابح ، أمك بوَّظَت ورق المحشى.
نظر إليها متفحصًا بعينيه وابتسم ، وخرج من المطبخ دون أن ينطق بكلمة ، فانتفضت الجدة واقفة ، وأمسكت يد زوجة ابنها ، وكريح عاصفة بعنف شديد ، جذبتها خارج المطبخ قائلة لها:
روحى اقعدى جنب جوزك على الكنبة اتفرجى على التليفزيون
لم تَعْتَرضْ على الخروج من المطبخ ، ولم تتفوه بكلمةٍ ، وجلست بجوار الأب رابح وشها
أَسود من قرن الخروب ، كأنها صلَّت ركعتين، على بلاطه من جهنهم مُتَبرّمة وغاضبة ، نظرت إليه فى حيْرة وألم ،لأنه لم ينطق ولم يوجّه أى كلمة لأمه.
بعد فترة وجيزة ، نادت الجدة على الأب رابح قائلة:
يا (شملول) قل (للشملولة) تقوم تعلَّق وتولّع ، على حلَّة الْمَحْشى وتسْقيه انتشرت رائحة ، المحشى زكيَّة تُنبئ أنه اسْتَوى وطاب للأكل ، نادت الجدة:
يا أولاد جهزوا السفرة ، حطّوا الطبلية ، وأحضروا لكل واحد شوكة
كان أصبع محشى الكرنب بالغ الصغر ، أعطوا كل واحد طبقَه وشوكَته ، وصاحت الجدة فى الجميع يا الله يالا يالا
بسم الله بالهنا والشفا ، قبل ما يبرد، حلاوة المحشى يؤكل وهو ساخن
وانتفضت واقفة تقول وهى تنظر فى عين زوجة ابنها رافعة رجلها وممسكة أصبع رجلها الصغير ، وتقول مع تبديل قدمها من رجل لرجل:
– عمل المحشى مزاج .. وريحة المحشى مزاج وأكل المحشى مزاج ، الصباع الكبير يملأ عين ومعدة الجعان ، والصباع الصغير، يشبع شغف الذواق . كانت تحجل ، وتحجل .. وتحجل راقصة كطفلة فرحة بعروستها الجديدة ، داخلة ..خارجة بين المطبخ والصالة.