آخر الأخبار

الخروج الأول.. حين يتحول البيت إلى ذكرى

 

ماجد فرهود محمد- العراق:

في حياة كل شاب، تأتي لحظة لا مفر منها؛ لحظة تتشابك فيها الرغبة الجامحة في الانطلاق مع الخوف القديم من المجهول. إنها اللحظة التي يُغادر فيها البطل الشاب – أيّ شاب فينا – حدود منزله المادي والمعنوي. هذا ليس مجرد انتقال فيزيائي من غرفة إلى مدينة، بل هو خروج رمزي، إزاحة لوهم الأمان المُطلَق الذي يوفره البيت، وبداية لـ(رحلة البطل) التي تتكرر باستمرار في الأدب وحياتنا على حدٍ سواء.

البيت، بجداره العتيق ورائحة الخبز فيه، يُمثّل دائمًا عالمًا مُنظَّمًا لا يُطالبك بأكثر مما تستطيع. لكن خارج هذا الجدار، تهمس الحياة بإغراء قاسٍ: (لا يوجد دليل استخدام، وعليك أن تكتب قواعدك بنفسك).. هذا هو جوهر الانفصال الوجودي الذي تُجسّده النماذج الأدبية الكبرى. بطل الرواية، مثلي ومثلك تمامًا، يظن أن المغادرة تعني التحرر الكامل، لكنه سرعان ما يكتشف أنها تعني المسؤولية المُطلقة، لأن لا أحد سيتولى إصلاح خطأه المالي الأول أو يصحح مساره المهني نيابة عنه.

القيمة الحقيقية لقصص الخروج تكمن في أنها تُظهر كيف يتشكّل الوعي في خضمّ التجربة.. الشخصية اليافعة تبدأ رحلتها محملة بأحكام مُسبقة اكتسبتها من العائلة والمدرسة، لكنها تصطدم بسرعة بـ(العالم الواقعي) المُتعدد الألوان والمُتضارب.. هنا يبدأ التحدي؛ أن يضطر البطل إلى الانتخاب، أن يختار أي جزء من تربيته سيحتفظ به، وأي جزء يجب أن يتخلّى عنه ليُصبح أصيلاً ومُصمّمًا لهويته لا مُتلقيًا لها. أليس هذا هو جوهر النضج؟

في هذه المرحلة، يتحول الاكتشاف إلى ممارسة يومية للمسؤولية. المسؤولية ليست دائمًا شيئًا بطوليًا؛ أحيانًا تكون مسؤولية دفع فواتير، أو اتخاذ قرار بسيط يحدد مسار مهنة بأكملها. التفاصيل الصغيرة هي التي تحفر شخصية البطل. فالانفصال عن البيت لا يهدف إلى هدم الماضي، بل إلى إعادة بنائه داخل الذات على أسس أكثر صلابة. الشخص الذي يعود، أو الذي يستقر في عالمه الجديد، هو شخص أدرك أن الأمان الحقيقي لا يكمن في جدران المنزل، بل في قدرته على تحمل النتائج.

قد نتساءل بتأمل: إذا كان كل شاب يمر بهذه الرحلة الحتمية، وإذا كان الأدب يعكسها بدقة متناهية، فهل نحن حقًا نغادر المنزل، أم أننا نحمله معنا في ذاكرتنا ونعيد اكتشاف قيمته الحقيقية فقط حين نصبح مسؤولين عنه بالكامل؟ يبقى البيت القديم، بكل ما فيه من نقائص وعيوب، هو نقطة الصفر التي ننطلق منها. ومن دونها، قد تضيع بوصلة الرحلة.