الرحمتات … بين العادة والعبادة
أصداء سودانية- نعمات أبوزيد:
تعتبر (الرحمتات ) من العادات القديمة التي عرفها السودانيون وتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد و يبدو أن الشعب السوداني مازال يصر على ممارسة خصوصيته و الظهور بلونية مميزة في كل المحافل وتحت كل الظروف حتى على مستوى شهر رمضان الكريم ،فقد درج السودانيون الصائمون على التوسعة على أسرهم في الخميس أو الجمعة الأخيرين من شهر رمضان بالذبائح وزيادة جرعة الغذاء في ذلك اليوم المختار والذي يعرف بالخميس أو الجمعة اليتيمة لجهة عدم تكرارها والناس صيام.
أطفال الحي:
أطفال (الحلة ) منذ ان كنا صغارت ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر
كنا نحس فيه بغير قليل من المسؤولية
كان كل أطفال الحي يتجمعون عشان يطلعوا الحارّة..ويلّفوا على كل بيوت الحِلّة كيما يستعجلون ست البيت لتطلع لهم الأكل (الحااااااار) الذي يكون دائما عبارة عن (فتة بي رز ولحمة) ومعاها سلطة خضراء وبلح وبليلة وعصير، وكان اطعمها واميزها شراب (موية البلح).
فرصة للتصدق:
كثير من السودانيين يعتبرون الخميس أو الجمعة الأخيرة من رمضان يوما للتوسعة في الأكل والشرب لأفراد أسرهم ومن يعولون بجانب اتخاذها فرصة وسانحة طيبة للتصدق على موتتهم عبر وليمة خاصة يدعى لها الفقراء والمساكين وذوي القربى بالرغم من أنه ليس لما تعارف عليه السودانيون ب(الرحمتات) كمناسبة أصل في الدين. غير أن الغالبية العظمى تتعامل معها من أثر السلوك الإنساني المستمد من روح الإسلام وجوهره القائم على التراحم والتوادد ومد أواصر التعاون.
تقليد قديم:

ويرى كثيرون أن الجمعة اليتيمة أو الخميس بحسب اختلاف المناطق بالسودان التي تعارفت على إطلاق اسم الرحمتات على اليوم المعين منهما تقليد قديم يشكل مسرحا نشطا لكثير من المعاني والقيم تتدافع للبروز في ذلكم اليوم أكثر مما في سواه من سائر أيام السنة أو حتى على مستوى أيام شهر رمضان الكريم يساهم في بطولة تجسيده كل الناس بالحي أو القرية أطفالا وشبابا وشيوخا ونساء حيث لا يتوانى المستطيعون من إراقة دماء المواشي منفردين أو بالاشتراك مع الجيران والأحباب والأهل لمن لا يستطيع الذبح منفردا فتكاد تختفي ملامح الحاجة والعوز في يوم الرحمتات ويسود فهم وسط الأهالي بأن الموتى في آخر جمعة او ليلتها أي يوم الخميس من رمضان ينتظرون الرحمة من الأبناء والأهل المتمثلة في هذه الذبائح ولعل التواضع على إطلاق لفظ الرحمتات على ذلكم اليوم ربما جاء أخذا من( الرحمة أتت) فعجمت وأدغمت فصارت الرحمتات تسهيلا
ويدعى لتناول طعام الرحمتات الذي في الغالب الأعم يكون في شكل فتة قوامها الأرز واللحمة ويستدعى الكبار السيرة الطيبة لأقرباء قد قضوا نحبهم وانتقلوا إلى الدار الآخرة ويرفعون الأكف تضرعا لله أن ينزل عليهم شآبيب رحمته ويدعون صغار السن للمشاركة في الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة لجهة أن الأطفال دعواتهم مقبولة وتصل السماء.
الفقراء والمساكين:
وما زال أهالي الريف بالرغم من الضائقة المعيشية التي تكتنف البلاد والعباد يحرصون على الرحمتات والتوسعة في يومها على العيال والفقراء والمساكين ويعتبرونها نوعا من الوفاء للأجداد والقيم الحميدة ويختلف نوع الطعام بحسب الحالة المادية لمن يقيم هذا الطعام.
غير أن البعض يرجع منشأ فكرة الرحمتات وانتشارها إلى الدولة الفاطمية بمصر.
ونفى رجال الدين صحة ما يتداوله الناس عن ما يسمى بالرحمتات وقال الداعية عبود عبد المعروف أن تخصيص يوم محدد للصدقة والتصدق لا يجوز بحسب قوله وأضاف نحن ماعندنا مشكلة في إطعام الطعام والتصدق فقط الخلاف في تخصيص يوم كما يزعم البعض أن آخر جمعة في رمضان هي (عشاءالميتين) حسب قولهم.