آخر الأخبار

آثار السودان بين الإهمال الرسمي وجرافات الدهابة(2)

  • مواقع أثرية تحولت إلى مكبات نفايات ومراعي للماشية
  • مواطنون يستخدمون الأحجار الأثرية لبناء المساكن وزرائب الحيوانات
  • خبراء آثار: الحفر العشوائي للدهابة يدمر السياق التاريخي للمواقع الأثرية
  • أم فتفت.. قبقبة.. الصُفر.. نصب الحصان.. ديار المحس: مناطق حُبلى بالذهب
  • حماية الآثار لا تتحقق بالجهود الحكومية وحدها بل بإشراك المجتمعات المحلية والإعلام

(الصور)
بابكر حسين.. التنقيب العشوائي للذهب خطر على آثارنا القومية
أثار دنقلا العجوز.. تاريخ السودان أكثر قيمة من الذهب
مروي القديمة.. آيقونة الآثار السودانية
إهرامات البركل.. ماضي تليد
حسينارتي – عادل الحاج:
في صمت الصحراء الممتدة شمال السودان، حيث تتناثر بقايا حضارات ضاربة في عمق التاريخ، يقف الماضي شاهداً على مجدٍ عظيمٍ صنعته حضارات كوش ونبتة ومروي.. غير أن هذا الصمت لم يعد هادئاً كما كان فقد باتت معاول التنقيب العشوائي عن الذهب، وصوت محركات الآليات الثقيلة، تقطع سكون تلك المواقع الأثرية في مشهد يختلط فيه الطمع بالجهل والإهمال.. وبينما يفترض أن تكون هذه المواقع تحت حماية ورعاية الجهات المختصة، يزداد القلق من أن تاريخ السودان العريق يتعرض اليوم لتهديد حقيقي قد يؤدي إلى ضياع جزء مهم من ذاكرة الأمة.. ويُعد السودان من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية، إذ تنتشر على أراضيه آلاف المواقع التي تعود إلى حضارات قديمة امتدت لآلاف السنين.. وتشير تقديرات الباحثين إلى أن كثيراً من هذه المواقع لم تُكتشف بعد، فيما تعاني مواقع أخرى من غياب الحماية الكافية أو التوثيق العلمي.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية من مناطق الآثار بالولاية الشمالية
التنقيب الأهلي:


يقول المنقب الأهلي عن الذهب، بابكر حسين محمد عبد الله، الذي يعمل في هذا المجال منذ عام 2009م: سنوات طويلة قضيتها متنقلاً بين مناطق التعدين المختلفة في السودان، أكسبتني معرفة واسعة بطبيعة الأرض وما تخبئه من معادن وآثار، ومن خلال رحلاتي مرّرت بعدد من المناطق إبتداءً من (أبو حمد)، مروراً بـ(قبقبة)، وصولاً إلى (الصُفر)، و(نصب الحصان)، و(أم فتفت)، و(ستة)، ثم مناطق (وادي حلفا) و(ديار المحس) في أقصى شمال البلاد، والشريط النيلي، الممتد في ولايتي الشمالية ونهر النيل، كثيراً ما تظهر فيه شواهد تدل على ثراء المنطقة بالذهب، فاحيانا كثيرة يعثر عدد من المنقبين على حبيبات صغيرة متناثرة من المعدن النفيس في بعض المواقع القريبة من مجرى النيل، الأمر الذي يعزز القناعة بأن تلك المناطق تختزن كميات معتبرة من الذهب في باطنها.. ويتابع قائلا:
العمل في المناطق الصحراوية البعيدة يكشف أيضاً عن مؤشرات أخرى على قدم النشاط البشري في تلك الأنحاء، ففي بعض المناطق الخلوية مثل جبل (أم بَرّة) عثروا على قطع صغيرة من الفضة والنحاس والرصاص، إلى جانب شظايا حديدية تبدبقايا أدوات أو أسلحة قديمة ربما تعود إلى فترات الصراعات التاريخية التي شهدتها تلك المناطق، مثل معركة كورتي المعروفة في التاريخ السوداني.
غير أن المنقب الأهلي، بابكر حسين محمد عبد الله، يعبّر عن قلقه الشديد مما وصفه بالتنقيب العشوائي الذي يمارسه بعض الباحثين عن الذهب، قائلاً: بعض ما يُعرفون بـ(الدهابة) لا يميزون بين مواقع التعدين العادية والمناطق الأثرية، فيلجؤون إلى الحفر الجائر في أماكن يُحتمل أن تكون حاضنة لآثار تاريخية قيّمة.. وللأسف، هذا النوع من الممارسات لا يضر بالتراث الوطني فحسب، بل يمثل تعدياً على تاريخ البلاد وإرثها الحضاري، وهو أمر لا يرضي الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن في ذلك إفساداً لما يجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة
وتعكس شهادة عبد الله – وهو أحد العاملين في الميدان – جانباً من التحديات التي تواجه حماية المواقع الأثرية في مناطق التعدين الأهلي، حيث تختلط ثروة الذهب المدفونة في الأرض بتاريخ حضاري عميق، ما يجعل الحاجة ملحة إلى تنظيم عمليات التنقيب وتشديد الرقابة على المواقع ذات القيمة الأثرية.
تدمير الآثار:


خبراء آثار تحدثوا لـ(أصداء سودانية) حول هذه القضية المتشابكة، بقولهم: الحفر العشوائي لا يؤدي فقط إلى فقدان القطع الأثرية، بل يدمّر أيضاً السياق التاريخي للموقع، وهو العنصر الذي يعتمد عليه العلماء لفهم طبيعة الحضارات القديمة، فحين تُقتلع القطع الأثرية من أماكنها دون توثيق علمي، تضيع معها معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها.
ولا يقتصر الخطر على التنقيب العشوائي فحسب، إذ تشير تقارير غير رسمية إلى وجود شبكات تعمل على تهريب القطع الأثرية إلى خارج البلاد.. ويؤكد بعض المهتمين بالتراث أن ضعف الرقابة في بعض المناطق البعيدة قد يفتح الباب أمام عمليات تهريب منظمة تستهدف القطع النادرة.. ففي ظل الطلب العالمي المتزايد على الآثار القديمة، تصبح القطع الأثرية السودانية هدفاً مغرياً لتجار السوق السوداء، خاصة تلك التي تعود إلى الحضارات النوبية القديمة.. ويخشى خبراء من أن كثيراً من القطع قد غادرت البلاد بالفعل دون توثيق أو تسجيل رسمي.
تعديات المواطنين:
إلى جانب التنقيب عن الذهب، تواجه المواقع الأثرية أشكالاً أخرى من التعديات، ففي بعض القرى والمناطق الريفية، قد يلجأ بعض السكان إلى إستخدام الأحجار الأثرية في البناء، أو تسوية التلال القديمة لتوسيع الأراضي الزراعية أو إقامة المساكن،
وفي حالات أخرى تتحول بعض المواقع الأثرية إلى مكبات للنفايات أو مراعي للماشية، نتيجة غياب التوعية بأهمية هذه المواقع وقيمتها التاريخية.. ويرى باحثون، أن المشكلة لا تتعلق بسوء نية بقدر ما ترتبط بضعف الوعي بأهمية التراث الثقافي، إذ لا يدرك كثير من المواطنين من سكان المناطق الاثرية، أن هذه المواقع تمثل جزءاً من تاريخهم وهويتهم الوطنية.
ويشدد مختصون على أن حماية الآثار لا يمكن أن تتحقق بالجهود الحكومية وحدها، بل تتطلب أيضاً إشراك المجتمعات المحلية في عملية الحماية، فالمواطن الذي يعيش بالقرب من موقع أثري يمكن أن يكون خط الدفاع الأول عنه إذا أدرك قيمته وأهميته.. ويؤكد بعض الباحثين أن تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التراث قد يسهم في تقليل التعديات، من خلال برامج التوعية في المدارس ووسائل الإعلام، إلى جانب إشراك سكان المناطق في مشاريع سياحية أو ثقافية مرتبطة بالمواقع الأثرية.
السياحة الأثرية:


يرى خبراء الاقتصاد والسياحة، أن السودان يمتلك إمكانات سياحية هائلة بفضل تراثه الحضاري الغني، إذ يمكن أن تتحول المواقع الأثرية إلى مصدر مهم للدخل القومي إذا ما جرى تطويرها وإدارتها بشكل صحيح.. ففي دول عديدة حول العالم، تشكل السياحة الأثرية مورداً إقتصادياً رئيسياً، حيث يقصد ملايين السياح سنوياً المواقع التاريخية للتعرف على الحضارات القديمة، غير أن كثيراً من المواقع الأثرية في السودان ما زالت بعيدة عن دائرة الإستثمار السياحي، بسبب ضعف البنية التحتية وقلة الإهتمام الرسمي.
ويشير مهتمون بالشأن الثقافي، إلى أن حماية الآثار مسؤولية مشتركة تقع على عاتق عدة جهات، من بينها المؤسسات الحكومية المعنية بالتراث، والسلطات المحلية، والأجهزة الأمنية، إلى جانب المجتمع المدني.. ويرى هؤلاء أن المرحلة الحالية تتطلب وضع إستراتيجية وطنية شاملة لحماية المواقع الأثرية، تشمل زيادة الحراسة في المواقع المهمة، وتشديد القوانين التي تُجرّم التعدي على الآثار، إضافة إلى توفير الدعم اللازم للهيئات المختصة بالبحث والتنقيب العلمي.
حماية تاريخية:
وسط كل هذه التحديات، يظل السؤال مطروحاً: هل يستطيع السودان حماية تاريخه قبل فوات الأوان؟ فكل موقع أثري يتعرض للتخريب أو النهب يمثل صفحة من صفحات التاريخ تُمحى إلى الأبد.. ويحذر خبراء، أن إستمرار الإهمال والتعديات قد يؤدي إلى خسارة لا تعوَّض، ليس للسودان وحده، بل للإنسانية جمعاء، لأن هذه الآثار تمثل جزءاً من التراث الحضاري العالمي.. ففي بلدٍ يمتد تاريخه لآلاف السنين، تبدو مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية وطنية وأخلاقية في آن واحد، فالتاريخ الذي صنعه الأجداد لا ينبغي أن يضيع تحت معاول الباحثين عن الذهب، ولا أن يندثر بسبب الإهمال أو غياب الوعي
فإذا كان الذهب يلمع في الرمال، فإن تاريخ السودان أكثر قيمةً وأبقى أثراً، وحمايته اليوم تعني حماية ذاكرة الأمة للأجيال القادمة.
نواصل