آخر الأخبار

قِراءة تأويلية : الإغتراب في رواية ود مُرين إلى المنفى للكاتِب صلاح الدين آدم ( السادة )

 

إبراهيم دربات / السودان

 

قبل الدخول إلى المنتوج الأدبي الذي بين يديك بالضرورة أولًا النظر على ما يحتويه العمل، ومن ثم الغوص عميقًا في بِحار التفكير والعصف الذهني من أجل التفكيك، وإثـارة الأسئلة، حتى تتناول وجبتك الشهية من هذا العمل ، رواية ود مُرين إلى المنفى، من الروايات التي كُتبت بعقلٍ نقدي، يدحض كل التحيزات الأيـدلوجية، واضع في الإعتبار أن الإنغلاق العقلي واحدة من إشكاليات العيش في عوالم تتصاعد فيها توظيف الأيـدلوجيا لصالح واقع مُعاش، وكذلك رواية تحالف الضالين للكاتب المفكر/ أبوالقاسم الطاهر، حملت نفس الأسلوب، القِراءة المُتأنية تُعتبر واحدة من أدوات التفكير النقـدي، العقل والتفكير النقدي لكتابة الروايات، يساهم بشكل كبير جدًا في تطوير النصوص الروائية، وكذلك يضع القاريء في موضعه الحقيقي لأن قِراءة الروايات الآن أصبحت مُحبذة لكل الفئات لذلك هناك ضرورة حتمية كتابة النص الروائي بعقل نقدي.

صدرت رواية ( ود مُرين إلى المنفى) عن دار الأحمد، للنشر والطباعة والتوزيع بجمهورية مصر العربية، عدد صفحاتها ١٤٦ صفحة، حملت العناوين الرئيسية الآتية ( الجامعة والمأساة، قصة نفي ود مُرين، ود مُرين والعمل الإنساني، صويحبات الناقشا، قصته مع العلاقات العاطفية، زواج بت العز، العمل النقابي ضـرورة مرحلية، حقيقة ظهور ود مُرين، العودة إلى دارفور الحبيبة، الخرطوم الذاكرة المفقودة ).

– المواضيع الرئيسية التي تناولتها رواية ود مُرين إلى المنفى :

٠ الإغتراب؛ تجربة الهجرية القسرية والشعور بعدم الإنتماء للوطن.

٠ الهوية؛ تأثيرات الظروف السياسية والإجتماعية على الفرد.

٠ الصراع السياسي؛ تأثير الأنظمة القمعية على الطُلاب والأفراد.

٠ الإستلاب الثقافي؛ أسبابه ونتائجها.

٠ النضال من أجل القضايا.

٠ حرية الرأي والفكر.

٠ الحُب كمدخل للتسامح.

٠ ظاهرة التهميش.

– السياق التاريخي :

قبل تحليل الرواية أولًا، لابد من معرفة السياق التاريخي التي كُتبت فيها الرواية؛ كتبت رواية ود مُرين إلى المنفى في زمنٍ كانت البلاد السودانية، أوضاعها السياسية، غير مهضومة، مُتقلبة ما بين الساعة والتالية، كانت كلمة السلطان هي العليا، الرعية هم الضحايا، الكاتب السادة تجاوز كل هذه النقاط وكتب روايته بعقل مستقل.

– الزمان والمكان :

تجري أحداث هذه الرواية، في إحدى الولايات السودانية، التي لها موقعًا جغرافي مميز، ولاية شمال دارفور، وعاصمتها الفاشر، في جامعتها (جامعة الفاشر) سُطرت أحداث هذه الرواية، حملت هذه الرواية زمنين ، التاريخي، النفسي ، حيث التاريخي تعبيرًا عن الحاضر والمستقبل، بينما النفسي تأثيراته ظهرت من خلال السرد الروائي، وتحولات الشخصيات المساعدة.

عن مدينة ( الفاشر) عاصمة ولاية شمال دارفور، هي واحدة من المدن السودانية التي تحتضن عبق التاريخ وأصالة التراث، قيل عنها الكثير من العبارات الجميلة التي تصف مكانتها وجمالها، ومن ذلك:

٠ الفاشر، موطن الجمال وأرض الكرم، حيث يجتمع عبق التاريخ مع طيبة أهلها وكرم ضيافتهم.

٠ فاشر السلطان، مدينة الصمود والتُراث، شاهدة على حضارة عظيمة تركها السلاطين.

٠ في الفاشر، يلتقي الماضي بالحاضر في لوحة طبيعية وإنسانية تنبض بالحياة.

٠ مدينة الفاشر، قلب دارفور النابض، تحتضن الجبال والسهول وتروي قصصًا من البطولات والعطاء.

تتميز الفاشر بطبيعتها المتنوعة، حيث الجبال التي تحيط بها، وسوقها المركزي الذي يعكس تنوع ثقافات دارفور، كما أنها تعد مركزًا تاريخيًا لحكم سلطنة دارفور، وما زالت تحتفظ بمكانتها الثقافية والاجتماعية.

– اللغة والأسلوب :

تحتوي هذه الـرواية على لغة سلسة ما بين الفُصحى والعامية في بعض النُصوص ولكنها مؤثرة، يتم استخدام الألفاظ العامية في بعض المواضيع وهو ما يضيف للنص الروائي طابعًا محليًا يعكس البيئة السودانية والتقاليد السودانية، الأسلوب فيه مزيج من الفصحى والعامية، مما يعزز من قرب النص الروائي إلى القاريء ويمنحه نكهة خاصة من الأصالة.

– البناء والتقنيات الأدبية :

الرواية تعتمد على السرد التخيلي والقصصي في بعض الأجزاء وذلك ومجازًا، بينما الآخر حقيقي الهدف من ذلك المقاربة الدلالية ، حيث يصف المُعاناة التي مر بها شخصية الرواية الرئيسية، يوجد توظيف لبعض الأدوات البلاغية مثل التشبيهات وأدواتها، والإستعارات والجناس ، وهذا يُزيد من ثراء النص الروائي الجمالي، كما أن تداخل الحوار بين الشخصية الرئيسية للـرواية ووالد محبوبته عن طريق الصُدفة يعطي النص الروائي ديناميكية ويجعل القاريء يشعر بتفاعل الشخصيات مع بعضها البعض.

– التركيب اللغوي :

التركيب اللغوي في الرواية تميل إلى البساطة والوضوح، وهو ما يسهل على القارئ الدخول في عالم الـرواية والتفاعل مع معانيها، ولكن هناك بعض المواضع التي تحتاج إلى مزيد من التفصيل أو إعادة النظر في ترتيب الجمل لتصبح أكثر سلاسة، على سبيل المثال، جملة ( نسونجي.. جمبات) قد تحتاج إلى صياغة أكثر وضوحًا لكي تكون أكثر فهمًا للقاريء.

– قِراءة عامة :

رواية ود مُرين إلى المنفى، قدمت نقدًا بناءً للأنظمة القمعية والإستبدادية، التي تفرض قيودًا على الإنسان، وتدفعه للعيش في أروقة المُعَاناة، والبحث عن أوطان أخرى تُعيد لهم تشكيل هويتهم، وتوفير لهم مساحة آمنة؛ ومساحات للتسامح، وقبول الآخر.

هذه الرواية غني بالمواضيع، التي وظفها الكاتب ليكون بُعدًا حقيقيًا تحمل قضايا متنوعة،وهذا لا يفعلها إلا الكاتب المثقف المُدرك لزمام الأمور، والواقع المُعاش، ولعل الإبداع والتميز في النصوص الروائية تظهر مع المُعَاناة.

– مقطع من الرواية :

” قصتي مع الخيبة تُكمن في إنني دومًا سباق مع الأمل والتفاؤل، لإيجاد ملف ود مُرين، فتهرب الأمل مني أحيانًا، وفي الأحيان كثيرة تُلازمني الخيبة”

البُعد الدلالي لهذه المُقولة، الأمور التي تتعلق بالجدية دائمًا تُكمن في فقد أحد عناصرها مما يصعب تحقيقها، لذلك الكاتب استخدم الخيبة والأمل كمفهومان متوزايان ذات أبعاد مُختلقة، الخيبة تعني الغياب والفقدان والأمل تعني الوجود اي مفهوم آخر تحقيق المطلوب وان طال الزمن.

الجامعة ليست للونس وإنما للمد الشُجاع (أدبيات مؤتمر الطلاب المستقلين CIS) بهذه المقولة نستدرك ان الجامعة مكان لقول الرأي والفكرة، تضامنًا مع المنتوج العقلي، الجامعات السودانية منبع العقول المُنتجة والمُفكر، عمالقة الفكر، والثقافة، والسياسة، خرجوا من رحم الجامعات السودانية، لكن الجامعات السودانية في فترات الأخيرة أصبحت مكانًا لتوظيف الأيدلوجيات، لذلك كانت المُعَاناة كبيرة لأصحاب الحق والرأي، الطالب في الجامعة هو باحث بمعنى يُحق لها ان يُنضال بقضايا المجتمع، ويتحدث بلسانها، العمل النقابي داخل مؤسسة الجامعة او خارجها يؤول إلى الإنسان القيادي، لذلك ود مُرين كان قياديًا فاعلًا في المجتمع وجوده يعني الحرية غيابه يعني الإحتقان، والسجن.

الإنسان النشط في المجتمع وصاحب الفكرة، والرأي هو يُصبح لسان المجتمع، عندما يتعرض لقمع يتضامن معه المجتمع والمنظمات (ص١٥).

الإنسانية يُخلدها الإنسان الناضج، الحامل لمعنى الإنسانية البحتة، ويوظفها بناءً مواقفه الجيدة تجاه الإنسان، قصة ود مُرين مع أصحاب المهن الهامشية ( الأورنيش) تُجسد المثال الأعظم للإنسانية، والحُب والتسامح، وقبول الآخر (ص٢١).

قضية الإستلاب الثقافي واحدة من القضايا التي شكلت أزمة كبيرة لدى المثقف والمجتمع، وهو عبارة عن غزو فكري تم توظيفها في المجتمعات بناءً على سوابق وإنذرات من فعل المُستلب نفسه، المُستلب الثقافي هو غير قادر على قبول نفسه، وسيظل معه في صـراع دائم، جسدت لنا الشخصية ( المساعدة) بخيتة التي أتت من القرية ووجدت نفسها في بيئة مُختلقة عن بيئة القرية، قررت ان تكون جزء من المدينة، بررت ان تُغير إسمها إلى( ريم) لكن كان للعوامل دورًا فعال في منعها، والنقد البناء التي وجدتها من زملائها (ص٢٥).

توظيف الحُب في الروايات عمومًا، والروايات السودانية بصفة خاصة هي دعوة للإنغماس في عالم الأمل، لكن الحُب في الرواية السودانية دائمًا تعني الخيبة كنماذج للروايات التي وظفت الحُب كخيبة ( رواية واحة الأشجان للكاتِب امين صابـر، رواية أسفل قاع المدينة للكاتب إيهاب عدلان، رواية مطليًا بالأبيض للكاتبة مودة جمعة، رواية المراكب المنسية للكاتب الهادي النور… ألخ).

(الخرطوم الذاكرة المفقودة) كانت آخر النصوص التي ختمت بها الكاتب روايته، الذاكرة المفقودة تعني الإختلال البينوي ويترتب على ذلك البحث عن ذاكرة أخرى يضمن لك التفكير السليم والإنتاج المتواصل.. (حضرت اليوم إلى الخرطوم سائحًا والآن سأعود إلى دارفور نازحًا).

– تقييمًا :

الإنتاج الأدبي الهائل للكُتَّاب السودانيين، نتجت وفقًا للواقع الأليم، والمأساة التي يعيشها الكاتب، وهذا يؤكد ان للواقع الآثم إيجابيات، رواية ود مُرين إلى المنفى، من الروايات التي يحتاجها القاريء الآن لانه يجد فيها نفسه طِبقًا، لغةً وأسلوبًا.

– إقتباسات من رواية ود مُرين إلى المنفى :

( يأتينا الخيبة دائمًا من الأشخاص الذين وثقنا بهم جدًا، من أؤلئك الذين أعطيناهم كل شيء).

( لا يُمكننا ان نُدرك قيمة الضوء إلا إذا حلت بنا العُتمة، كما لا يُمكننا ان نُدرك قيمة الحرية إلا إذا كُبلنا بالسلاسل والأغلال، لا يمكننا ان نُدرك قيمة السلام إلا عندما نتـذوق مرارة الحرب).

(الإنسانية تجمعنا على درب المحبة والتعايش السلمي بين مختلف المُكونات الإجتماعية).

( حضرت اليوم إلى الخرطوم سائحًا والآن سأعود إلى دارفور نازحًا ).