
معسكرات النزوح بين حاجة ملحة ومساعدات عالقة
محمد مأمون يوسف بدر
*وسط رمال كردفان المحترقة وصمت العالم الغافل تُنسج يوميًا مأساة إنسانية من أكثر المآسي تعقيدًا في عصرنا الحديث. فمنذ ذلك اليوم المصيري في أبريل 2023، تحولت حياة الملايين من السودانيين إلى رحلة مريرة من الخوف والفرار، خلّفت وراءها أرقامًا تصدم الضمير الإنساني ما يقارب 9.6 مليون نازح داخل البلاد ونحو 29 مليونًا على حافة المجاعة وفق إحصاءات الأمم المتحدة
ليس النزوح هنا مجرد انتقال من مكان إلى آخر إنه قصص مروعة ترويها عيون أطفال شاهدوا المستحيل وأجساد نساء تحملت ما لا يطاق. فالانتهاكات الممنهجة في دارفور وكردفان من قبل مرتزقة الدعم السريع أجبرت آلاف العائلات على الفرار تحت وطأة الرصاص تاركين وراءهم ذكريات عمر كامل. تشير التقارير الميدانية إلى وصول 57 ألف نازح فقط إلى معسكري العفاض ومدينة الدبة بالولاية الشمالية ومدينة كوستي محملين بإصابات بالغة ومعاناة نفسية لا تُحتمل حيث ينتشر سوء التغذية بين الأطفال كالنار في الهشيم.
*في خضم هذه العاصفة تقف المؤسسات الحكومية السودانية وعلى رأسها وزارة الصحة بقيادة الدكتور هيثم محمد إبراهيم، ورجل الأعمال ازهري خلف الله في الصفوف الأمامية لمواجهة الكارثة. فمن خلال اللجان المشتركة وهيئة الإغاثة تبذل الحكومة جهودًا جبارة لتقديم الحد الأدنى من الخدمات الصحية والإغاثية في المعسكرات رغم شح الإمكانيات وانقطاع الموارد. وتعمل دون كلل على تنسيق المساعدات وتسهيل وصولها مستخدمة كل قنوات الاتصال والدبلوماسية لفتح ممرات إنسانية آمنة، خاصة إلى المناطق المحاصرة مثل الفاشر، في تحدٍّ صارخ من قبل مرتزقة الدعم السريع لكل محاولات عرقلة الإغاثة.
*يقف الشعب السوداني اليوم على مفترق طرق مصيري. فالمجتمع الدولي مدعوّ إلى تحمل مسؤوليته الأخلاقية والإسراع بتقديم الدعم الفني والمالي اللازم وتجاوز أي اعتبارات سياسية تعيق وصول المساعدات المنقذة للحياة. التحدي أكبر من أن تتحمله الحكومة السودانية وحدها، والكارثة أعمق من أن تُحل بجهود فردية.
*مستقبل ملايين السودانيين وخاصة الأطفال والنساء الذين يشكلون الغالبية العظمى من النازحين، يرتهن الآن إلى إرادة عالمية حقيقية وإلى ضمير إنساني حيّ. كردفان ودارفور تنزفان، والصمت الذي يلف العالم هو الجرح الأعمق. آن الأوان لتحويل النداءات إلى أفعال والمواثيق إلى واقع ملموس قبل أن يطوي النسيان آخر بصيص من أمل لشعب أعطى الكثير وضاع في دهاليز الصراعات.