
لآلئ بأقلامهم (30)(لاعب الشطرنج) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ن)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*كنت في الواقع لأظل منشغلاً وأحافظ على الجهد الذهني والترفيه الذي أصبح لا غنى لي عنه، محتاجاً لكتاب جديد وأدوار جديدة. ولكن لاستحالة حدوث هذا، فلم يظل أمامي سوى مخرج واحد من هذه المتاهة الغريبة، كان علىّ إذن بدلاً من لعب الأدوار القديمة أن أخترع أدواراً جديدة، وأحاول أن العبها مع نفسي أو بالأحرى ضد نفسي.
*لا أعلم إلى أي مدى قد أمعنت فكرك في الحالة الذهنية التي تكون مصاحبة للعبة الألعاب الشطرنج، يكفي مجرد شيء من المراجعة لتوضح أنها لعبة تعتمد كلياً على الفكر ولا دور فيها للصدف، ومن ثم فليس من المنطق أن يلعب اللاعب ضد نفسه فسحر الشطرنج يرجع في الأصل إلى سبب واحد، ألا وهو تكوين استراتيجيته في رأسين مختلفين بطريقتين مختلفتين، وأن مراوغات الخصم الأبيض غير معلومة بالنسبة للخصم الأسود في هذه الحرب الفكرية، وأن عليه طوال الوقت أن يتوصل إليها ويحاول إفشالها في حين أن الخصم الأبيض يسعى لاستباق مخططات الخصم الأسود والتصدي لها. أما إذا توحد الأسود مع الأبيض في ذات الشخص، فيسفر ذلك عن وضع متناقض أن يكون على العقل أن يعلم شيئاً لا يجب أن يعلمه أن يعمل كخصم أبيض وبإشارة واحدة ينسى تماماً ما كان يعلمه وينوي فعله قبل دقيقة كخصم أسود. مثل هذا الفكر المزدوج يشترط انفصاماً تاماً في الوعي، وقدرة على الإشعال والإطفاء للوظائف المخية حسب الرغبة كأنها جهاز ميكانيكي، أن يلعب الشخص الشطرنج ضد نفسه هو إذن تناقض يماثل القفز من فوق الظل.
*اختصاراً للكلام، دفعني يأسي لشهور أن أحاول المستحيل والمنافي للمنطق؛ لم يكن أمامي غير هذا الخيار المتناقض؛ حتى لا أعود لحالة من الجنون أو التداعي الذهني. فرض وضعي المزري عليّ أن أخوض تجربة هذا الفصل بين الأنا السوداء والأنا البيضاء؛ حتى لا يقضي عليّ العدم الفظيع من حولي (يتبع).
نهاية المداد:
الصدق والصراحة ، قد لا تُكسبك الكثير من الناس ، لكن ستوفّر لك أفضلهم رغم قلّتهم.
( غابرييل غارسيا ماركيز)