
نور من جنوب دارفور يبدد عتمة الحرب في مقرن النيلين
ضُل الغيمة
الفاتح بهلول
*في مشهدٍ يجسّد أصالة التكافل السوداني، تمتد أيادي جنوب دارفور بالعطاء من عمق الجراح إلى قلب الوطن لتؤكد أن إنسان السودان مهما اشتدت عليه المحن يظل وفيًّا لقيم النخوة وإغاثة الملهوف، هذا ما حدث من قبل والي ولاية جنوب دارفور بشير مرسال رغم أن ولايته تُعدّ إحدى ولايات السودان الجريحة التي وطأتها مليشيا الدعم السريع الغادرة، واتخذت من حاضرتها نيالا البحير عاصمةً لمشروعها المشؤوم، الذي هلّلوا وكبّروا وتمايلوا فرحًا بإعلانه، إلا أن عبق التاريخ ظلت بموجبه متشبثة بشمائل مد الزاد حتى إن كان مصيرهم الجوع ، فجنوب دارفور، هي التي تمسح دموع حزنها بيد، وتجود بالأخرى عوناً للآخرين، كي ترتسم على وجوههم ابتسامة الرضا، في صورةٍ تختصر معدن هذا الشعب الأصيل ، ويأتي مدّ يد العون لأهالي حي المقرن العريق، من قِبل الوالي الأستاذ بشير مُرسال، وتبنيه مشروع إنارة مركز صحي المقرن بعد ظلامٍ حالك، عاشه أهل (صُرّة) خرطوم السرور، ليجسّد هذا المعنى الإنساني الرفيع ما آل إليه أولئك المواطنين الذين جعلت المليشيا من أعزتهم أذلة، بفعل حربٍها التي أشعلت فتيلها و هي تظن واهمة أنها قادرة على إبتلاع السودان بتاريخِه، وحضارتِه، وإنسانِه، وأشجارِه، ونهرِه العظيم.
*غير أن إرادة السودانيين جاءت عصيّة على الانكسار؛ فاحتملوا التشريد والتغريب، وفقد الأحبة، وصبروا صمتًا واحتسابًا، يحرسون أرضهم كما فعل رجال المقرن الأنقياء.. حتى سخّر الله لهم الوالي بشير مُرسال، ليكون عونًا ونصيرًا في إدخال الطاقة إلى المركز الصحي، الذي توقّف عن العمل منذ اليوم الأول للحرب، على ضوء ذلك جاءت هذه الخطوة بمثابة منديل حرير مسح عن وجوه أهالي الحي غبار الألم، وأعاد إليهم شيئًا من الطمأنينة، خاصةً وأن علاقة الجوار التي ربطتهم بولاية جنوب دارفور تعززت عبر مكتب المتابعة الواقع في قلب الحي، لتظل هذه المبادرة شاهدًا على أن السودان مهما ادلهمّت خطوبه، لا يخلو من بصيص نور.
*تُعدّ منطقة المقرن من أهم المناطق الإستراتيجية في البلاد، إذ تحتضن ملتقى النيلين، وتمثل واجهة حضارية وسياحية نادرة، علاوة على موقعها الحيوي في قلب العاصمة.. ورغم ما تمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية، إلا أنها ما زالت في أمسّ الحاجة إلى اهتمامٍ تنموي وعمراني يليق بمكانتها وقيمتها الوطنية.
*لقد شكّل ما قام به مُرسال، من مبادرة إنسانية لإنارة مركز صحي المقرن، رسالة عميقة الدلالة، أكدت أن خدمة الإنسان لا تعترف بالجغرافيا، وأن روح المسؤولية الوطنية قادرة على العبور فوق الجراح والمسافات. وهي مبادرة تستحق الإشادة، لا لنتائجها المباشرة فحسب، بل لما تحمله من معانٍ سامية في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات، بالتالي نأمل أن تجد هذه الخطوة الإنسانية ما يُكملها على يد والي الخرطوم، عبر تبنّي رؤية شاملة لتنمية منطقة المقرن خدمياً يشمل تطوير البنية التحتية، ودعم المرافق الصحية، فضلاً عن حماية الموقع الطبيعي الفريد، ليكون رمزًا لتعافي الدولة، ونقطة إشعاع حضاري واقتصادي للعاصمة والسودان عمومًا.
*إن الاهتمام بالمقرن ليس مطلبًا محليًا فحسب، بل هو استثمار في صورة الوطن ومستقبله، ورسالة أمل لشعبٍ يستحق أن يرى بلاده تُبنى كما صمدت لأعنف هجوم بربري يشهده العالم ومُقرن النيلين شاهد على ذلك فهو ذاك المكان الذي تغنى له كابلي حينما أبدع في وصفه قائلاً؟
ﻳﺸﻴﻠﻚ ﺷﻮﻕ ﻭﺳﻂ ﻋﻴﻨﻴﻦ
ﻳﻮﺩﻳﻚ ﻣﻘﺮﻥ ﺍﻟﻨﻴﻠﻴﻦ
ﻳﺨﺪﺭ ﻓﻴﻚ ﻋﻘﻴﺪ ﻳﺎﺳﻤﻴﻦ
ﻭﺗﻘﻮﻡ ﺷﺘﻠﺔ ﻣﺤﻨﺔ ﻣﺜﺎﻝ
ﺃﺭﻳﺠﻬﺎ ﺩﻋﺎﺵ ﻭ ﺣﺰﻣﺔ ﻓﺄﻝ
ﻗﺒﺎﻝ ﺗﻮﺗﻲ ﺍﻡ ﺧﺪﺍﺭﺍً ﺷﺎﻝ
ﻋﻴﻮﻥ ﺍﻡ ﺩﺭ ﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﻤﺎﻝ.
*لم يكن ما قام به بشير مُرسال مجرد إدخالٍ للكهرباء إلى مركزٍ صحي و حسب بل كان إضاءةً لمعنى أعمق في وجدان الوطن ورسالة تقول إن من عرف الألم قادر على مواساة غيره، وإن القلوب التي نزفت في دارفور ما زالت تتّسع للعطاء في زمنٍ تكاثرت فيه العتمة، جاء هذا الفعل الإنساني شاهدًا على أن القيادة الحقّة هي التي تنحاز للإنسان لتمنح الأمل بصمت، وتترك أثرها نورًا لا ينطفئ في ذاكرة المكان والناس.