آخر الأخبار

إلى الفريق حسب الكريم آدم النور في عليائه

 

مقدم د. التجاني الطيب عبد الماجد

 

*في لحظات الفقد الكبير، تقف الكلمات بخشوع أمام سيرة رجلٍ لم يكن حضوره عابراً في تاريخ الدولة، بل كان علامة فارقة في مسيرة مؤسسة سيادية ظلّت صامدة حين اهتزت أركان الوطن.. الفريق حسب الكريم آدم النور – رحمه الله – لم يكن مجرد قائد للجمارك السودانية، بل كان روحاً وطنية بثّت في جسد المؤسسة معاني النزاهة، والانضباط، وحب العمل، وروح المبادرة، والإيمان العميق برسالة الدولة في واحدة من أعقد مراحلها التاريخية.

*تولّى الفقيد قيادة الجمارك في زمنٍ بالغ الدقة، حين كانت البلاد تواجه تحديات وجودية، وضغوطاً اقتصادية وأمنية جسيمة، وكان مطلوباً من المؤسسات السيادية أن تتفوق على ذاتها، وأن تعيد تعريف دورها الوطني.. فكان أن قاد الفريق حسب الكريم آدم النور الجمارك السودانية بعقلية الدولة لا بعقلية الإدارة التقليدية، فنهض بها تنظيماً، وضبطاً، وأداءً، وربط رسالتها بالمعركة الكبرى لحماية الوطن واقتصاده وأمنه.

*في عهده، استعادت الجمارك السودانية هيبتها ومهنيتها، وتحولت إلى مؤسسة مبادرة لا منفعلة، وإلى ذراع فاعل في حماية الاقتصاد الوطني، ومكافحة التهريب، وتجفيف منابع الفساد، وتعزيز موارد الدولة في وقت كانت فيه كل لبنة صمود تُحسب بميزان الذهب.. لقد تفوقت الجمارك على نفسها، لا بالشعارات، بل بالفعل المؤسسي الصارم، وبالانضباط الذي زرعه القائد في ضباطه وجنوده، فصار الالتزام قيمة، والأمانة نهجاً، والوطنية ممارسة يومية.

*ومع اندلاع معركة الكرامة، برز الدور الوطني للجمارك السودانية بجلاء، إذ كانت حاضرة بقوة، لا تغمض لها عين، ولا تخفت لها عزيمة.. أدّت واجبها كاملاً في تأمين المنافذ، وحماية الحدود الاقتصادية، ودعم صمود الدولة في وجه الاستهداف المنظم.. وكان للجمارك سهمٌ أصيل لا تخطئه العين في هذه المعركة، سهمٌ كُتب بالانضباط، وبالعمل المتواصل، وبالولاء الخالص للوطن، وهو امتداد طبيعي للنهج الذي أرساه الفريق حسب الكريم آدم النور، ثم واصل حمله من تلاه من قيادات المؤسسة.

*ويشهد له الجميع بأنه كان أميناً حتى اللحظة الأخيرة، إذ سلّم أمانة الجمارك إلى سلفه الفريق صلاح أحمد إبراهيم وهيئة قيادة الجمارك، وقد ترك مؤسسة متماسكة، واضحة الرؤية، راسخة القيم، قادرة على الاستمرار والبناء والتطوير. سلّمها وهو مطمئن أن الطريق الذي شُقّ بالعرق والتضحيات سيُستكمل بعزيمة الرجال وصدق الرسالة، متمنياً لهم أن يسيروا بها إلى غاياتها النبيلة والعظيمة، حفاظاً على الوطن وخدمةً لمصالحه العليا.

*لقد كان الفريق حسب الكريم آدم النور نموذجاً للقائد الوطني الذي لا يطلب المجد لنفسه، بل يصنعه لوطنه، ويغادر موقعه نظيف اليد، مرفوع الرأس، وقد أدّى الأمانة كاملة غير منقوصة. وسيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الجمارك السودانية، وفي سجل الرجال الذين صانوا الدولة في أحلك الظروف.

*نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له ذنوبه، ويتجاوز عن سيئاته، وأن يجعله من عتقائه من النار، وأن يجزيه عن وطنه ومؤسسته خير الجزاء، وأن يلهم أهله ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.

(إنا لله وإنا إليه راجعون)