من سرق آثارنا السودانية؟ (1)
- حكايتي مع مهرب آثار مملكة كوش
- من هم لصوص الآثار الجُدد.. وكيف يسرقون آثارنا القومية؟
- التايمز البريطانية: قطعا أثرية سودانية لا تقدر بثمن تعرض للبيع عبر الإنترنت
- أشخاص يدعون أنهم من منقبي الذهب لكنهم في حقيقتهم لصوص آثار
- مواجهه مع مدير آثار سابق بسبب تحقيق صحفي كشف بالوثائق سرقة بعض علماء الآثار الأجانب لآثارنا القومية
(الصور)
مناطق التعدين.. البحث عن الذهب ام سرقة الآثار؟
آثارنا السودانية تعرض للبيع عبر الإنترنت
تحقيق ــ التاج عثمان:
ما تعرضت له الآثار السودانية من نهب وتدمير بواسطة مليشيا آل دقلو الإرهابية وغيرهم من لصوص الآثار المحليين والأجانب لم يحدث من قبل في العالم.. آلاف القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن نهبت من المتاحف السودانية وتم عرضها وبيعها لشبكات تجارة الآثار عبر الإنترنت بتراب الفلوس.. على هامش الفعالية المهمة التي نظمتها وزارة الثقافة والاعلام والسياحة بقاعة (الربوه) ببورتسودان الثلاثاء الموافق 13 يناير الجاري بهدف الكشف عن عدد كبير من الآثار السودانية المستردة ننشر هذا التحقيق الإستقصائي الذي يكشف ويجيب على سؤال هام هو: (من سرق آثارنا السودانية)؟
البعثات الأثرية الأجنبية:

لدي شغف لا يقاوم بآثارنا القومية وكنت منذ صغري اقضي الساعات الطوال داخل المتحف القومي ومتحف الخليفة، لأتنسم عبق التاريخ وأتامل مبهورا إبداعات أسلافنا والإرث القومي الذي تركوه لنا لكننا للأسف لم نحافظ علية بالصورة المرجوة.. والحقيقة التي توصلت إليها ان سرقة الآثار السودانية لم تكن وليدة الحرب بل ان آثارنا القومية ظلت تتعرض للسرقة منذ عشرات السنين بواسطة بعض البعثات الأثرية الأجنبية بدعوى التنقيب عن الآثار، وكانت الحكومات السابقة تتهاون كثيرا معها، وبعضها لم يكن همها التنقيب وكشف آثارنا القومية والتي تصنف كإرث عالمي، بل سرقتها وتهريبها وبيعها بالخارج، حتى ان بعض ما يدعون أنهم علماء آثار أجانب وصلوا مرحلة من الثراء لا يحلمون بها في بلادهم بسبب نهبهم لآثارنا السودانية.. ولقد كشفت قبل سنوات بعضهم من خلال تحقيق صحفي مدعوم بالوثائق كشف سرقة بعض بعثات التنقيب لآثارنا القومية التي تقوم بإكتشافها.. واذكر ان مدير هيئة الآثار السودانية وقتها، إستدعاني لمنزله بالمقرن المجاور لمتحف السودان القومي ومقر الهيئة العامة للآثار بالخرطوم، وإستقبلني غاضبا مشيرا ان ما كتبته عن سرقة الآثار ليس صحيحا وطلب مني الإعتذار في الصحيفة، فرفضت وواجهته بالمزيد من الوثائق والمستندات ورغما عن ذلك لم يقتنع بها، مشيرا انه سوف يفتح بلاغا ضدي بإشانة سمعة هيئة الآثار وشخصه بصفته كان مديرا لها، فقلت له بأدب وإحترام رغم إنفعاله الواضح تجاهي: (أفعل ما يحلو لك يا بروف)، ثم إنصرفت خارجا من منزله.. لكنه لم يجرؤ على تنفيذ وعيده لي وتهديدة بفتح بلاغ ضدي لأنه تأكد إمتلاكي للوثائق التي تثبت كل كلمة جاءت في التحقيق الصحفي.
لصوص الآثار الجُدد:
ومع بداية التنقيب العشوائي او الأهلي عن الذهب ظهر لصوص آثار جُدد بمناطق التعدين الأهلي بالولاية الشمالية ونهر النيل من السودانيين.. لم يكن هدفهم الذهب بل الآثار حيث تكون لديهم معلومات مسبقة عن مناطق الآثار.. وبعضهم نجح في الحصول على كميات كبيرة منها تحت غطاء التنقيب عن الذهب وقاموا بتهريبها بطريقة او بأخرى للخارج لسماسرة وعصابات الآثار ببعض الدول الافريقية.
أذكر أنني توجهت لمنطقة طواحين الذهب بمنطقة العبيدية بولاية نهر النيل لإجراء تحقيق صحفي كان ظاهره تسليط الضوء على التنقيب الأهلي للذهب، وباطنة كان التأكد من حقيقة المعلومات التي تحصلت عليها مسبقا حول التنقيب العشوائي للآثار وتهريبها وبيعها لخارج البلاد.. وبعد حصولي على المعلومات التي أنشدها عدت للخرطوم ونشرت اولا التحقيق الصحفي عن طواحين الذهب بالعبيدية والتعدين الأهلي للذهب وأرجأت ما توصلت إليه من معلومات حول التنقيب عن الآثار وتهريبها.. وبعد نشر الحلقة فوجئت بأحد الأشخاص ينتظرني بالصحيفة وقال إنه قرأ حلقة الذهب ويريد إضافة معلومات أخرى إليها، معرفا نفسه ان لديه عدد من آبار الذهب.. فاخذت منه المعلومات ونشرتها وكانت في مجملها تتعلق بكيفية عمل المعدنين داخل الآبار وكيفية إكتشافهم لعروق الذهب ومعالجته ثم بيعه لتجار الذهب المتواجدين بمنطقة الطواحين بالعبيدية.. وبعد نشر الحلقة إتصل بي وقد شارف الليل منتصفه مشيرا انه وصل الخرطوم طالبا مني الحضور وحدي لمقابلته لأمر ضروري وهام جدا بمنزل وصفه لي بأحد أحياء امدرمان.. فتوجهت إليه وما ان طرقت باب المنزل حتى قام بفتحه سريعا وكأنه كان ينتظر وصولي جوار باب المنزل على أحر من الجمر، ثم قادني للتو لصندوق حديدي موضوع في حوش المنزل مغلف بإحكام بطبلتين كبيرتين، فأخرج منه لفافة عبارة عن ثوب أبيض وطلب مني الدخول لإحدى غرف المنزل في الجزء المخصص للرجال، وأغلق باب الغرفة بالمفتاح، ثم قام بنزع الثوب وكانت المفاجأة التي أذهلتني وأدهشتني في وقت واحد، قدم لي تمثالين صغيرين من حجر الجرانيت الأسود عليهما بعض النقوش، لرجل وإمرأة عاريين قال لي أنهما من أفراد الأسرة المالكة بمملكة كوش.. حقيقة التمثالين تم نحتهما بمهارة مدهشة جعلتني أتاملهما مليا بإعجاب ممزوج بالدهشة من فنية وحرفية وإبداع أجدادنا القدماء.. قال لي:
أنهما تمثالان حقيقيان فلقد عرضتهما على أحد خبراء وأساتذة الآثار الأجانب بإحدى الجامعات السودانية وقام بفحصهما وأكد لي أنهما حقيقيان.. وطلب مني شرائهما مني وقدم لي مبلغا دولاري يسيل له اللعاب، لكنني رفضت وطلبت منه المزيد فرفض، فعدت بهما ووضعتهما في الدولاب الذي شاهدته الأن بالمنزل ثم إتصلت بك.. قلت له وما المطلوب مني إذن: قال لي بالحرف: أنت صحفي ولا شك ان لك معارف كثيرة واريدك ان تساعدني في بيع التمثالين.. قلت له: (أنصحك بتسليم التمثالين لهيئة الآثار وإلا تعرضت لعقوبة السجن لو تم إكتشافك، وانا على إستعداد لإصطحابك للهيئة وتسليمهم التمثالين، فهناك مكافأة مالية قانونية لكل شخص يكتشف أثارا حقيقية سوف تمنح لك فإكتفي بها).. فرفض رفضا قاطعا تسليم التمثالين للهيئة رغم إلحاحي وحديثي معه ومحاولة إقناعه أن آثارنا القومية تمثل تاريخ السودان ويجب الا نتاجر فيها ونعرضها للأجانب بتراب الفلوس، كما نصحته بعدم محاولة تهريب التمثالين لأن شرطة الآثار صاحية وستكون له بالمرصاد.. لم يقتنع فودعته وإنصرفت لحالي، ولم يتصل بي بعدها ولا أعرف مصير التمثالين المبهرين.
شهادة التايمز البريطانية:
رغم انني حاولت تصوير التمثالين إلا ان المهرب رفض رفضا قاطعا ذلك، ولكن بالبحث والسؤال إتضح لي ان التمثالين لرجل وإمرأة من الأسرة المالكة بمملكة كوش بجزيرة مروي والتي تصنفها اليونسكو بانها من أهم مواقع التراث العالمي، والتي كانت تعد قوة عظمى بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد.. من جانب آخر نشرت صحيفة التايمز البريطانية بان قطعا أثرية سودانية لا تقدر بثمن تعرض للبيع بالإنترنت على موقع (إيباي).. وما خُفي أعظم.
نواصل