آثار السودان بين الإهمال الرسمي وجرافات الدهابة(3)
- أهرامات البجراوية في خطر
- زحف الرمال يهدد القواعد الحجرية للإهرامات بالتآكل
- اليونسكو تسعى لحماية الاهرمات بإزالة الرمال والحشائش الكثيفة من المدينة الملكية وفتح
- مصارف للفيضانات والسيول الموسمية
- قصر الملك حسين بالحتاني.. إطلالة صامتة تحرس ذاكرة السنين
حسينارتي ــ عادل الحاج:
في صمت الصحراء الممتدة شمال السودان، حيث تتناثر بقايا حضارات ضاربة في عمق التاريخ، يقف الماضي شاهداً على مجدٍ عظيمٍ صنعته حضارات كوش ونبتة ومروي.. غير أن هذا الصمت لم يعد هادئاً كما كان فقد باتت معاول التنقيب العشوائي عن الذهب، وصوت محركات الآليات الثقيلة، تقطع سكون تلك المواقع الأثرية في مشهد يختلط فيه الطمع بالجهل والإهمال.. وبينما يفترض أن تكون هذه المواقع تحت حماية ورعاية الجهات المختصة، يزداد القلق من أن تاريخ السودان العريق يتعرض اليوم لتهديد حقيقي قد يؤدي إلى ضياع جزء مهم من ذاكرة الأمة.. ويُعد السودان من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية، إذ تنتشر على أراضيه آلاف المواقع التي تعود إلى حضارات قديمة امتدت لآلاف السنين.. وتشير تقديرات الباحثين إلى أن كثيراً من هذه المواقع لم تُكتشف بعد، فيما تعاني مواقع أخرى من غياب الحماية الكافية أو التوثيق العلمي.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية من مناطق الآثار بالولاية الشمالية.
مهددات البجراوية:
بعد صمودٍ امتد لآلاف السنين في وجه تقلبات الزمن، باتت أهرامات منطقة البجراوية الأثرية شمالي السودان تواجه اليوم تهديدات متزايدة قد تقوّض بقاءها، رغم مكانتها بوصفها من أبرز معالم مملكة مروي التاريخية.. فهذه الأهرامات، الواقعة قرب الضفة الشرقية لنهر النيل على بعد نحو 210 كيلومترات شمالي الخرطوم، تتعرض في السنوات الأخيرة لضغوط طبيعية وبشرية متفاقمة، وتشير إفادات عدد من المهتمين بالآثار إلى أن الفيضانات الموسمية وزحف الرمال حول القواعد الحجرية للأهرامات يسهمان في تآكل بنيتها مع مرور الوقت، في ظل ضعف إمكانات الدولة لصيانة المواقع الأثرية بسبب النزاع وشح الموارد.. ولا تقف التهديدات عند العوامل الطبيعية فحسب، إذ تزيد بعض السلوكيات غير المسؤولة من خطورة الوضع، مثل الكتابة على جدران الأهرامات أو تسلق قممها لالتقاط الصور التذكارية، وهي ممارسات يرون أنها قد تُلحق أضراراً مباشرة بهذه المعالم الهشة، وربما تفوق في تأثيرها أخطار النهب أو تهريب الآثار.
قصر الملك حسين:

على بعد نحو كيلومتر واحد إلى الغرب من قرية حسينارتي التابعة للوحدة الإدارية بالتضامن بمحلية الدبة، تقف أطلال قصر الملك حسين شاهدة على زمنٍ سحيق يختلط فيه التاريخ بالحكايات الشعبية.. ويقع هذا القصر العتيق على مقربة لا تتجاوز 150 متراً من مشروع الكلد الزراعي بالحتاني الذي أنشأه الإنجليز في الموقع عام 1925م، وكأنه يجاور مرحلتين مختلفتين من تاريخ المنطقة: عهد الممالك المحلية وعهد الاستعمار الحديث.. شُيّد القصر من الطين اللبن والحجارة، وما تزال بقاياه تحكي عن سلطة ملكٍ قيل إنه حكم هذه الديار قبل مئات السنين.. وتحيط بالمكان روايات متعددة، بعضها يقترب من التاريخ وبعضها الآخر ينسج خيوطه من الخيال الشعبي، مثل الحكاية التي تزعم أن نبي الله إبراهيم عليه السلام همَّ ببناء الكعبة في هذا الموضع قبل أن يعدل عن الفكرة، وهي رواية يراها كثيرون من أبناء المنطقة مجرد خرافة لا سند لها.. وعلى مسافة لا تتجاوز عشرة أمتار من القصر، يبرز خندق أو (طابية) منحوتة في صخرة رملية مطلة على النيل، يقال إنها كانت منصة لإطلاق المدافع الكبيرة دفاعاً عن القصر ضد أي عدو قد يأتي عبر النهر، وفق ما توارثه كبار السن من روايات الأجداد.. وهكذا يقف الموقع اليوم بين الحقيقة والأسطورة، منتظراً من يكشف أسراره ويعيد قراءة تاريخه قبل أن تبتلعه عوامل الزمن والإهمال.
اليونسكو والآثار:
وفي وقت سابق من العام 2025 م، أعلن مركز التراث العالمي التابع لليونسكو، عن تنفيذ حزمة تدابير طارئة لحماية مواقع الآثار والتراث الثقافي العالمي في السودان، إستجابةً للتأثيرات المتزايدة لتغير المناخ وظروف الحرب التي تشهدها البلاد جراء هجمات قوات الدعم السريع، وتأتي هذه المبادرة ضمن برنامج المساعدة الدولية (3548
وبحسب وكالة السودان للأنباء، أوضح مدير مكتب الآثار الإقليمي لنهر النيل ومدير موقع التراث العالمي بجزيرة مروي، محمود سليمان محمد بشير، أن التدابير تركز على تعزيز حماية المواقع الأثرية وزيادة قدرتها على الصمود، وتشمل تلك المواقع أهرامات البجراوية والمدينة الملكية.. وتتولى اليونسكو عبر مكتبها في السودان وبالتعاون مع خبراء محليين تحت إشراف، عبد الرحمن علي، قيادة هذه الأنشطة الميدانية.. وتشمل الإجراءات إزالة الكثبان الرملية وفتح مصارف مياه الأمطار في أهرامات البجراوية، بالإضافة إلى تنظيف الغطاء النباتي الكثيف من المدينة الملكية في مروي.
الحلقة الرابعة والأخيرة:
في حوار غير مسبوق لـ(أصداء سودانية) لخبير سوداني متخصص في علوم الأرض والجيلوجيا:
ــ هذا سر وجود الذهب بكميات كبيرة لا تصدق بكل مناطق السودان شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.
ــ مؤشرات علمية ترجح وجود اليورانيوم في كافة الأقاليم السودانية.
ــ التنوع الجيولوجي يجعل السودان من الدول التي تمتلك إمكانات كبيرة في مجال التعدين.
ــ غياب الرقابة الكافية والتنظيم الصارم يفتح الباب واسعا امام ممارسات غير مسؤولة في بعض مناطق التعدين.
ــ إقتراح مهم للدولة لتنظيم المعدنين التقليديين.