
كعك العيد بطعم البارود
لمياء موسى
*تحيةً طيبةً عطرةً لكل قلبٍ ما زال يؤمن أن للعيد معنى، وأن للتكبير صدىً يتجاوز ضجيج العالم
نستقبل عيدًا قال الله تعالى فيه
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾،
كما جاء في كتابه الكريم، وجاء في سنة نبيه ﷺ أنه يوم فرحٍ وشكرٍ ووصال.
*نستقبل العيد بالتكبير بعد شهر صيامٍ لم يكن عابرًا؛ بل مرّ علينا مثقلًا بالأحداث الجسام، محمّلًا بالوجع، وبالصور التي لم تغب عن أعيننا، وبالأخبار التي كانت تتساقط على أرواحنا كالمطر الثقيل.
*وقد ترددتُ كثيرًا قبل أن أكتب عن العيد، لأن العيد في ذاكرتي كان دائمًا مرادفًا للفرح الخالص؛ مرتبطًا بتكبيرات المساجد، وبرائحة الكعك الساخن في البيوت، وبالأغنية الجميلة التي كانت تصدح بها الفنانة صفاء أبو السعود: (العيد فرحة وأجمل فرحة)، فتغمر الشوارع ببراءة طفولية لا تشيخ.
*كان العيد خروجًا جماعيًا نحو البهجة؛ وجوهًا مبتسمة، وأكفًّا مرفوعة تكبّر الله على ما هدى
أما هذا العيد فله طعم آخر
طعمٌ ممزوج بالحزن.
*ومع ذلك، وجب علينا أن نفرح؛ لا فرح الغافلين، بل فرح الواعين. أن نفرح لأن الفرح عبادة، ولأن التكبير إعلان يقين بأن النور لا يُهزم مهما اشتد الظلام.
*غير أن هذا الفرح لا ينبغي أن ينسينا أن نقف لحظة أمام مرآتنا الداخلية، لنسأل أنفسنا: كيف وصل بنا الحال إلى ما هو عليه؟ وكيف أصبحنا فرادى وفرقًا متشرذمة؟.
*ولا أعني بذلك الطوائف أو الدول فحسب، بل أعني الأسر ذاتها والأفراد أنفسهم؛ فقد أصبح الفرد غريبًا عن أسرته، وأصبحت الأسرة غريبة عن مجتمعها، وغدا المجتمع غريبًا عن أمّته.
*لقد جرى تكريس الفردانية بصورة غير مسبوقة، حتى صار شعار المرحلة: (نفسي… نفسي) لكن ما لا يدركه كثيرون أننا في سفينةٍ واحدة؛ وحتى لو تشبّث أحدنا بعمود داخلها وهو يردد: سأنجو وحدي، فإن غرقت السفينة أخذته معها.
*لم يعد الألم بعيدًا عن أحد، ولم تعد النجاة فردية. فالريح التي تعصف بطرف المركب لا تلبث أن تهزّه كله.
*العيد ليس إنكارًا للحزن، ولا تجاهلًا للدمع، بل هو مساحة صغيرة نقاوم بها الانكسار، ونستعيد بها إنسانيتنا التي كادت تتآكل تحت وطأة الحروب و الصراعات.
*لذلك فلنفرح، نعم لكن لنفرح ونحن نعي أن خلاصنا لا يكون إلا معًا، وأن التكبير الذي يملأ السماء ليس مجرد أصوات، بل وعدٌ بأن الهداية طريق اجتماع لا افتراق، وتراحم لا تنافر.
*عيد الكعك ما يزال لذيذًا كما كان، غير أن طعمه هذه المرة مختلطٌ بالبارود. ومع ذلك سيبقى في القلب متسعٌ لأملٍ صغير يهمس لنا بأن السفينة – ما دام فيها من يصلح شراعها – لن تغرق، وأننا إن عدنا لبعضنا سنكتشف أن الفرح لا يموت، بل ينتظر فقط من يوقظه.
*كاتبة مصرية مقيمة في لندن