
حماية السودان من الفيديوهات المزورة بالذكاء الاصطناعي
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
مزمل سليمان حمد
*لم تعد الحروب اليوم تُخاض بالسلاح وحده، فقد أصبح الفضاء الرقمي ساحة معركة جديدة، حيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج فيديوهات وصور تبدو حقيقية لكنها في الواقع مفبركة بالكامل. هذه الظاهرة، المعروفة عالميًا بـ”الديب فيك”، تمثل اليوم أحد أخطر أسلحة الحرب النفسية والإعلامية، لأنها تستهدف وعي الجمهور وثقتهم في المؤسسات الوطنية قبل أي شيء آخر.
*وفي السودان، ظهرت هذه الظاهرة بوضوح من خلال نشاط غرف إعلامية منظمة تنتج مواد رقمية مفبركة تستهدف الحكومة والقوات المسلحة.. وقد ظهر ذلك جليًا في الفيديو المفبرك المنسوب للفريق ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة، الذي تضمن تصريحات لم تصدر عنه أصلًا، وكذلك الفيديو المنسوب إلى رئيس حركة العدل والمساواة الدكتور جبريل إبراهيم، والذي سارعت الحركة إلى نفيه، مؤكدة أنه مصنوع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ولا يعكس موقفها أو مبادئها، وأن مشاركتها في القتال إلى جانب القوات المسلحة جاءت استجابة لنداء الواجب الوطني والتاريخي.
*ولايخفى على الجميع كثافة هذه الفيديوهات المزورة، خصوصًا في وقت تحقق فيه القوات المسلحة السودانية انتصارات ملموسة على الأرض، وهزيمة المليشيات المتمردة والدعم السريع. وهذا التزامن ليس صدفة، بل يعكس محاولة واضحة للتغطية على الإنجازات العسكرية وتحويل الانتصارات الواقعية إلى مادة للبلبلة الإعلامية والتشكيك في القدرات الوطنية. إن هذه الحملات تهدف لإضعاف الروح المعنوية للجنود والمواطنين، وإحداث شرخ في الثقة بين القوات المسلحة والمجتمع.
*وبهذا السياق يصبح من الضروري أن تتعامل حكومة الأمل مع هذه الظاهرة باعتبارها تهديدًا أمنيًا واستراتيجيًا، وليس مجرد مشكلة رقمية عابرة. فالحماية تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الإجراءات القانونية، والتقنية، والإعلامية، فضلاً عن رفع الوعي المجتمعي بخطورة الفيديوهات المزورة.
*أولى الخطوات يجب أن تشمل إنشاء وحدات وطنية متخصصة لرصد وتحليل المحتوى الرقمي المزور، والقدرة على تتبع مصادره وكشف التلاعب بالصور والصوت والفيديوهات. والتقنية التي تُستخدم في صناعة التضليل يمكن كذلك استخدامها في كشفه، إذا تم توظيفها بفعالية. كما ينبغي تعزيز التشريعات التي تجرّم إنتاج ونشر المواد الرقمية المفبركة، خاصة تلك التي تهدف إلى زعزعة الأمن الوطني أو تحريض الرأي العام.
*إضافة إلى ذلك، يلعب الإعلام دورًا أساسيًا في مواجهة هذه الظاهرة من خلال تطبيق معايير مهنية دقيقة للتحقق من الأخبار والمحتوى قبل إعادة نشره، وعدم الانسياق وراء مواد قد تكون مضللة.. كما يجب تعزيز وعي المواطنين بالتحقق من المعلومات والاعتماد على المصادر الرسمية، لأن المواطن الواعي يمثل خط الدفاع الأول ضد حملات التضليل.
*إن خطر الفيديوهات المزورة بالذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في قدرتها على تقليد الأشخاص أو تزوير تصريحاتهم، بل في قدرتها على تقويض الثقة العامة. وعندما يفقد الناس الثقة فيما يرونه ويسمعونه، يصبح من السهل على الجهات المعادية نشر الفوضى وزرع الانقسام.
*لذلك، فإن حماية السودان من هذه الحروب الرقمية تتطلب تعاون الدولة والمجتمع والمؤسسات الإعلامية والتقنية.. وعلى حكومة الأمل أن تتخذ إجراءات عاجلة وواضحة لحماية الفضاء الإعلامي، وضمان أن التكنولوجيا الحديثة تُستخدم كأداة للتقدم والتنمية، لا كوسيلة لتقويض الاستقرار الوطني. فاليقظة والاستعداد لمواجهة التضليل الرقمي اليوم يمثلان استثمارًا في استقرار السودان.