البديل الأمثل لمضيق هرمز.. هل ينتقل الصراع إلى البحر الأحمر؟
د. ميمونة سعيد آدم
*بعد مرور سبعة عشر يومًا على اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين ايران من جهة، واسرائيل وامريكا من جهة أخرى، بدأت ملامح تحول استراتيجي خطير في مسار الصراع الإقليمي. فالتصعيد لم يعد يقتصر على الضربات العسكرية المتبادلة أو العمليات غير المباشرة، بل امتد ليشمل تهديدات صريحة لأهم الممرات البحرية في العالم، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أعمدة الأمن الطاقوي العالمي. ومع تصاعد التهديدات وتزايد المخاوف من تعطيل الملاحة، يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل يمكن أن يتحول البحر الاحمر إلى البديل الحيوي لمضيق هرمز؟ أم أن الصراع مرشح للانتقال إليه أيضًا؟.
*منذ الأيام الأولى للحرب، لوّحت إيران باستخدام أوراق الضغط الجيوسياسية التي تمتلكها في المنطقة، وكان مضيق هرمز في مقدمتها. فالمضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي عبر خليج عُمان يشكل شريانًا رئيسيًا لتدفق النفط والغاز نحو الأسواق العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. لذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي وأسعار الطاقة، وهو ما يفسر حالة القلق المتزايدة في الأسواق العالمية منذ بداية الحرب.
*وخلال الأيام الماضية، تصاعدت بالفعل مؤشرات التوتر في المضيق، مع تقارير عن تعزيز الوجود البحري للقوات الدولية وتحركات عسكرية مكثفة في المنطقة. كما تزايدت التحذيرات من إمكانية استهداف السفن أو تعطيل الملاحة كجزء من استراتيجية الضغط المتبادل بين أطراف الصراع. هذه التطورات تعكس إدراكًا واضحًا بأن السيطرة على الممرات البحرية تمثل عنصرًا حاسمًا في أي مواجهة إقليمية واسعة وهذا ما استخدمته ايرن فعلاً
*غير أن إغلاق المضيق بشكل كامل يبقى خيارًا بالغ الخطورة، ليس فقط بالنسبة للاقتصاد العالمي، بل أيضًا للدول المطلة عليه. ولذلك تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد تدريجي عبر عمليات محدودة أو تهديدات متكررة للملاحة دون إعلان إغلاق رسمي. هذا النوع من التصعيد يحقق أهدافًا سياسية وعسكرية عبر إرباك الأسواق وإرسال رسائل ردع، دون الوصول إلى مواجهة بحرية شاملة قد تخرج عن السيطرة. وهذا ما لجأ اليه الرئيس الامريكي ترامب لتشكيل تحالف دولي لتسيير الملاحة عبر مضيق هرمز ومنع ايران من السيطرةعليه او تلغيمه.
*في ظل هذه التطورات، بدأت القوى الدولية بالفعل في دراسة البدائل الممكنة لضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية.. وهنا يبرز البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات البحرية التي يمكن أن تلعب دورًا متزايدًا في حال تعطل الملاحة في مضيق هرمز. فالبحر الأحمر يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، ويعد أحد أهم الطرق التجارية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
*لكن التحول نحو البحر الأحمر كبديل استراتيجي لا يعني بالضرورة أنه سيكون بعيدًا عن تداعيات الصراع. فهذه المنطقة بدورها تشهد تزايدًا في التنافس الدولي، ووجودًا عسكريًا متناميًا للقوى الكبرى التي تسعى إلى حماية مصالحها وتأمين خطوط الملاحة.. كما أن البحر الأحمر يقع ضمن نطاق جغرافي حساس يمتد من الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي، وهو ما يجعله عرضة للتأثر المباشر بأي تصعيد إقليمي واسع.
*وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدول المطلة على البحر الأحمر في المعادلة الجيوسياسية الجديدة، ومن بينها السودان، الذي يمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا على هذا الممر الحيوي. غير أن استمرار الحرب الداخلية في السودان منذ عام 2023 جعلت البلاد تمر بمرحلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من أن يتحول هذا الفراغ إلى عامل جذب للتنافس الدولي أو التدخلات الخارجية في حال تصاعدت أهمية البحر الأحمر كبديل لمضيق هرمز.
*إن تزامن الحرب الإقليمية مع استمرار الصراع داخل السودان يخلق معادلة معقدة في منطقة البحر الأحمر. فإذا أصبح هذا الممر طريقًا رئيسيًا لنقل الطاقة والتجارة في ظل تهديد مضيق هرمز، فإن القوى الكبرى قد تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري والبحري لضمان أمن الملاحة. وهذا بدوره قد يؤدي إلى زيادة التنافس الجيوسياسي في المنطقة، وربما إلى ظهور صراعات جديدة مرتبطة بحماية خطوط الإمداد العالمية.
*كما أن الموقع الجغرافي للسودان يجعله عنصرًا مهمًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية تتعلق بالبحر الأحمر. فالسواحل السودانية الممتدة على هذا الممر تمنحه أهمية استراتيجية كبيرة، خاصة في ظل اهتمام دول عديدة بإقامة قواعد أو شراكات عسكرية على طول هذا الخط البحري الحيوي. ومع استمرار الحرب الداخلية، يصبح السودان أكثر عرضة للتأثر بالتجاذبات الدولية المرتبطة بالصراع الإقليمي الأوسع.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الحرب الدائرة حاليًا بين إيران وامريكا وإسرائيل، لا تقتصر تداعياتها على حدود المواجهة المباشرة، بل تمتد إلى الممرات البحرية الحيوية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي.. وإذا استمر التصعيد حول مضيق هرمز، فإن البحر الأحمر قد يتحول تدريجيًا إلى محور استراتيجي بديل لنقل الطاقة والتجارة، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح ساحة جديدة للتنافس والصراع.
*وبذلك، فإن مستقبل المنطقة في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على مسار هذه الحرب ومدى قدرتها على إعادة تشكيل خريطة الممرات البحرية والتحالفات الجيوسياسية. فبين مضيق هرمز والبحر الأحمر تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وتتحدد ملامح توازنات استراتيجية قد ترسم شكل النظام الإقليمي في السنوات القادمة.