
رسالة من بريد الحضور إلى زوايا الغياب الكثيف
*تلاوين
*عبد اللطيف مجتبى
عندما نتحدث عن الروح الوطنية أو إجماع على محبة شيء ما؛ لا ريب أننا نتحدث عن بناء راسخ و تشكل ساهمت فيه العديد من العوامل و بالتأكيد أننا نتحدث عن وجدان تأسست ملامحه بمرور الوقت لتصبح سمة غالبة، تتبدى في مظاهر السلوك و الانفعالات العفوية التي قرت في لا شعور مجموعة ما، فلربما نغمة من سلم خماسي تفعل الأفاعيل، ولن يستطيع من يستمع إليها التحكم في نفسه لكبح جماح تلك النوبة العارمة التي تعتريه فردا كان أو مجموعة. .
ذلك نزوع طبيعي للمجتمعات نحو الفن و الجمال وسمة من سمات المدنية، بحسب ابن خلدون، ليشكل هذا النزوع ملمحا حضريا شكلته المعاصرة و المثاقفة لتلك المجموعات التي شاءت لنفسها أن تتعايش على نحو قائم على تقبل الآخر بل و الانتماء إلى ما يقدمه من صيغ جمالية.
لهذا الفعل الجمعي – دون ريب – قيادة و مراكز تحريك تقدم المبادرات و تمزج عبرها الأمزجة و تخرج منها بهجين في المعاني و الأماني و المباني، وهم بلا شك المفكرون الفنانون المهاريون الذين يحملون روح المجموعة من وحل التشرذم إلى فضاء الانسجام الرحب. فمنذ بدء الخليقة كان الفن هو العامل الحاسم في تجسير المسافات و تذليل الصعوبات و تقريب وجهات النظر و قيادة الأمم إلى بر الأمان و نشلها من بؤر النزاع و الخصام و الأنانية إلى فسحة الأحلام و الآمال و الهدف والمصير المشترك.
إنه لعمري عمل شاق لمن قصده عبر وسائل بعيدة عن الفن و الجمال. فكيف به وهو لم يسلك هذا الطريق الذي لا أجد له وصفا مثل ما وصفه الحسن بن هاني (أبو نواس) :
(غير أني قائل ما أتاني من ظنوني مكذب للعيان
آخذ نفسي بتأليف شيء واحد في اللفظ شتى المعاني
قائم في والوهم حتى إذا ما رمته رمت معمى المكان.)
فكيف تصنع من الوهم حقيقة و كيف تبحث عنها في تلك السمادير الهائمة في سماء الروح تلامس شغاف القلب حينا و تطير عنه إلى العقل حينا آخر.
فما هو هنا إلا ذلك الذي وصفه شيخ شعراء السودان عبد الله الشيخ البشير في قصيدته المسيد:
(من الذي يذرع الفيافي مغبرا جد في المسير
له رفيقان من عصاه و حزمة من سطور نور
و أن في ناظريه عمقا يشف عن مقصد كبير)
ترى من هم أولئك الذين صاغوا ملامحنا و جعلونا مثل صلصال بين أيديهم يصنعون منا ما يشاؤون من محاريب للجمال و جفان للتلقي المحض النزيه وقدور راسيات تصنع منا مزاجا يخرج من بين فرث الأنا و دم النزاعات و الحروب.
هكذا هم يصنعون الأمم و يشكلون التاريخ و يتنبأون بالمستقبل. هكذا هو صانع الجمال و الرؤى. يصنع الألفة من وحشة الليل و يستثير خيال الإنسانية ذلك الهين الذي تستخفه بسمة الطفل القوى الذي يصارع الأجيال بوصف الشاعر السوداني إدريس جماع.
أولئك هم أنبياء الحقيقة الذين قال فيهم الشاعر السوداني التيجاني يوسف بشير :
(كتب الحق في صدورهم رمزين
من آية الخلود وسطر
أنبياء من الحقيقة في أيديهم
من مشاعل الله مجهر)
بهم تنهض الأمم و تستقيم جادة الحضارة بالفن و الجمال و ترقى الأمم.
هل يا ترى يدرك ساسة اليوم قيمة هؤلاء الذين يستحلبون من ثدي القمر نور المحبة و يزرعون بذور الأمل في حقول ذواتنا الرحيبة؟
وكما يقول الشاعر بشير عبد الماجد:
(وابقى أسأل عن قلوبنا تلقى فيها كنوز محبة
تلقى فيها الريدة فاردة جناحا تشتاق للربيع)
لماذا يغيب هذا الدور من هذه المرحلة التي يقدم فيها الساسة و أنصاف الإداريين و المفكرين و المثقفين حلولا عمياء لا ترى أقرب وهدة في الأمام القريب قبل أن تزل قدم.
هلا أفسحنا المجال لنرى حلولا خارج الصندوق لأزماتنا بنفس راضية و قلب صادق وعقل يرى ببصيرة العلم و الفن و الجمال والفكر الخلاق.