آخر الأخبار

هل أتاك حديث جبل العوينات؟

 

عمروخان

*هل أتاك حديث جبل العوينات، وسمعت صوته وهو الشاهد الصامت على كل ما جرى ويجري في قلب الصحراء الكبرى؟.

*لا بأس إن لم يبلغك خبره، فالأماكن العميقة لا تصل أخبارها سريعًا، بل تُكتشف حين نُحسن الإصغاء.. إذن امنحني من وقتك دقائق معدودات، لتستمع إلى ما تقوله الجغرافيا حين تتحول إلى تاريخ، وإلى ما يخفيه الصمت حين يصبح سياسة وأمنًا وحدودًا.

*يقع جبل العوينات في أقصى الجنوب الغربي من مصر، عند نقطة التقاء الحدود بين مصر والسودان وليبيا، فيما يُعرف اليوم بمنطقة المثلث الحدودي. هناك، بعيدًا عن العمران، يقف الجبل بارتفاع يقترب من 1900 متر فوق سطح البحر، كأعلى كتلة جبلية في الصحراء الغربية، لا كجبلٍ منفرد، بل كنظام جبلي متشعب من الهضاب والمرتفعات والأودية العميقة.

*جيولوجيًا، ينتمي العوينات إلى أقدم التكوينات الصخرية في شمال أفريقيا، بصخور جرانيتية ورملية تعود إلى ما قبل العصر الكامبري، أي إلى مئات الملايين من السنين. وفي أحشائه وأوديته، لا سيما وادي صورا، كُتبت واحدة من أقدم الشهادات على وجود الإنسان في هذه الرقعة القاسية؛ رسوم ونقوش صخرية موثقة علميًا، تُظهر مشاهد صيد ورعي وزوارق مائية، بما يؤكد أن الصحراء الكبرى لم تكن دائمًا صحراء، وأن العوينات كان يومًا جزءًا من حزام بيئي أخضر، تنبض فيه الحياة.

*تاريخيًا، لم يكن جبل العوينات مدينة ولا مستوطنة دائمة، بل كان (علامة طريق)، والعلامات في الصحراء تعني النجاة.. عرفته القوافل القديمة التي ربطت وادي النيل ببلاد فزان ووسط أفريقيا، واتخذته دليلًا جغرافيًا في زمن لم تكن فيه الخرائط سوى معرفة شفوية تتناقلها الأجيال. ثم جاءت الدولة الحديثة، وجاء معها ترسيم الحدود، فبقي الجبل في هامش الخرائط، لكنه في قلب الحسابات.

*مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، خرج العوينات من عزلته الطويلة. الوثائق العسكرية تؤكد أن المنطقة استُخدمت كموقع استطلاع ورصد بعيد المدى، ومسرحًا لعمليات استخباراتية دقيقة، خاصة من قبل وحدات الاستطلاع البريطانية بعيدة المدى (LRDG)، التي اتخذت من وعورة المكان وعزلته ميزة تكتيكية للتحرك خلف خطوط قوات المحور. لم يكن الهدف السيطرة القتالية، بل السيطرة البصرية والمعلوماتية على عمق الصحراء.

*بعد الحرب، عاد الصمت، لكن بصيغة مختلفة. لم تُحسم بعض التفاصيل الحدودية في الاتفاقيات الاستعمارية المبكرة، فظل المثلث الحدودي منطقة حساسة، بلا نزاع معلن، لكنها حاضرة في الوعي السيادي لكل دولة تطل عليه. ومع تغير الأوضاع في ليبيا، وتعقيدات المشهد السوداني، باتت هذه الجغرافيا الهادئة عنصرًا ثابتًا في معادلات الأمن الإقليمي.

*استراتيجيًا اليوم، تتجاوز أهمية جبل العوينات رمزيته الجغرافية.. فهو:

– نقطة مراقبة طبيعية تمنح سيطرة بصرية على مساحات شاسعة من الصحراء المفتوحة.

– جزء من العمق الجنوبي الغربي للأمن القومي المصري.

– ممر صحراوي محتمل للحركات غير النظامية، ما يفسر الاهتمام الأمني الصامت بالمنطقة.

-ويقع فوق أحد أهم أحواض المياه الجوفية الأحفورية في شمال أفريقيا، ما يمنحه وزنًا مستقبليًا في حسابات الأمن المائي والتخطيط طويل الأمد.

*لكن ما يميز جبل العوينات حقًا، أنه لم يكن يومًا أرضًا بلا تاريخ، بل أرضًا بلا ضجيج. شهد تحولات المناخ، وانتقال الإنسان من الصيد إلى الرعي، ثم انكفاءه أمام زحف الجفاف. شهد ولادة الحدود الحديثة، التي رسمتها الخرائط أكثر مما رسمها البشر، وظل واقفًا، لا ينحاز إلا للزمن.

*هنا، في هذا الركن المنسي من العالم، لا تُحفظ الذاكرة في الأرشيفات، بل في الصخور.

*وهنا، يظل جبل العوينات شاهدًا صامتًا على ما جرى… وما يجري… وربما على ما لم يُكتب بعد.

*كاتب صحفي مصري