
ما بين صراع النخب وسمسار السلطة (1-2)
درب التبانة
*لم يتوقع أحد أن تتحول قضية رجل الأعمال الغامض جيفري إبستين إلى زلزال عالمي بهذا الحجم؛ فملايين الصفحات من الوثائق القضائية خرجت إلى العلن، لتكشف شبكة مصالح متشابكة تتجاوز الحدود الوطنية والأيديولوجية.. وفجأة، تحولت قضية إبستين من ملف قضائي إلى زلزال يضرب بنية السلطة العالمية، ويضع النخب أمام امتحان غير مسبوق. إنها ليست قضية رجل واحد، بل نظام كامل يعيش على النفوذ والسرية، والآن يواجه خطر الانكشاف.
*إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال، بل كان حلقة وصل بين سياسيين، ورجال أعمال، وإعلاميين، وأكاديميين. الوثائق تكشف عن رحلات خاصة إلى جزر نائية، وحسابات مصرفية ضخمة في بنوك عالمية مثل بنك دويتشه، وعلاقات مشبوهة مع شخصيات نافذة، وحتى مقتنيات رمزية مثيرة للجدل مثل قطعة من كسوة الكعبة التي أثارت صدمة ثقافية ودينية. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أن إبستين لم يكن مجرد شخصية مالية، بل كان يجمع رموزاً وأسراراً لتُستخدم كأوراق ضغط وابتزاز.
*النشر لم يكن بدافع أيديولوجي، بل نتيجة لقانون أمريكي جديد للشفافية أجبر وزارة العدل على الإفراج عن كل ما لديها. لكن ما حدث بعد ذلك كان خارج السيطرة: الإعلام التقط الأسماء، والجمهور صُدم، والخصوم السياسيون وجدوا مادة لا تنضب للهجوم. فجأة، تحولت القضية إلى زلزال عالمي يضرب قلب النخب.
*منذ اللحظة الأولى، حاول البعض تفسير التسريبات كجزء من حرب أيديولوجية: هل هي حملة ضد العلمانية؟ ضد الدين؟ ضد اليمين أو اليسار؟ لكن الحقيقة أبسط وأخطر: إبستين لم يكن صاحب مشروع فكري، بل كان وسيط نفوذ.
*دوره كان أن يفتح الأبواب المغلقة، وأن يربط بين أصحاب السلطة والمال، وأن يقدّم خدمات، وأن يجمع معلومات حساسة تُستخدم لاحقاً كأوراق ضغط. الوثائق تكشف علاقات قائمة على مصالح وصفقات وحماية متبادلة، لا على أفكار أو عقائد. الأسماء الواردة تنتمي إلى كل الأطياف: يمين ويسار، علمانيين ومتدينين، ورجال أعمال وإعلاميين. هذا التنوع ينسف فكرة وجود استهداف فكري، ويؤكد أن جوهر القضية هو النفوذ والابتزاز.
*ما يخشاه هؤلاء ليس سقوط أيديولوجيا، بل سقوط سمعة، ونفوذ، وشبكات مصالح بُنيت على مدى عقود.. إبستين كان أشبه بـ (سمسار السلطة)، يبيع الوصول إلى دوائر مغلقة، ويحتفظ بأسرار تجعل الجميع في موقع ضعف أمامه. لذلك، حين انهار، انهارت معه شبكة كاملة من المصالح، لا من الأفكار.
وسنواصل في الجزء الثاني.