آخر الأخبار

اعتقالات انسحابات وهروب جماعي… هل بدأ العد التنازلي؟(2-2)

ضل الحراز

علي منصور

 

* انسحاب الرزيقات… كان بمثابة بداية تصدع الحاضنة فالأنباء عن انسحاب عدد من أبناء الرزيقات من منطقة شومدي وتوجههم إلى الرنك على خلفية اتهامهم لحمودة البيشي باقتياد أبنائهم إلى (الهلاك) في معركتي ملكن والسيلك تكشف بوضوح عن أزمة قيادة داخلية وقبيلة الرزيقات تُعد المكون الاجتماعي الأبرز الذي انطلقت منه المليشيا وأي تململ داخلها يحمل دلالات عميقة فعندما تتهم أسرٌ قياداتٍ ميدانية بإهدار دماء أبنائها في معارك خاسرة أو غير محسوبة فإن ذلك يعني أن سردية (المعركة المصيرية) بدأت تفقد بريقها. *ومع تزايد الخسائر البشرية تتراجع قدرة القيادة على تعبئة المقاتلين ويتحول الولاء من التزام قبلي أو تعبوي إلى سؤال بقاء فردي وأسري هذا النوع من الانسحابات لا يقتصر أثره على البعد العسكري بل يمتد إلى البنية الاجتماعية إذ يفتح الباب أمام مراجعات داخلية صامتة لماذا نقاتل؟ ولأجل من؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي؟

فضلاً عن محاولات شق الصف… كدليل ارتباك استراتيجي.

* والحديث عن توظيف الأحداث لإحداث تفرقة بين مليشيات النيل الأزرق ومليشيات الغرب يكشف عن مناخ من الشكوك المتبادلة فعندما تتحول القيادة إلى إدارة الانقسامات بدلاً من إدارة المعركة فهذا دليل على أن الجبهة الداخلية لم تعد متماسكة والتكوين غير المتجانس للمليشيا قبلياً وجهوياً كان في بداياته عامل قوة عددية وانتشار جغرافي لكنه في لحظات التراجع يتحول إلى نقطة ضعف هيكلية ومع تصاعد الخسائر تطفو الأسئلة المؤجلة من يدفع الثمن الأكبر؟ من يُزج به في الخطوط الأمامية؟ ومن يُحتفظ به في مناطق النفوذ والموارد؟ وحين تتغلب حسابات الجهة والقبيلة على منطق المؤسسة فإن التفكك يصبح مسألة وقت وثالثة الاثافي يتمثل في الهروب إلى جنوب السودان… كدليل لتصدع الروح القتالية فهروب عدد كبير من عناصر المليشيا إلى دولة جنوب السودان عبر معبر الرقيبات وإرسال قوة من (لجنة الظواهر السالبة) لإعادتهم يكشف عن تراجع الروح القتالية إلى مستويات حرجة.

*في التجارب العسكرية عبر التاريخ يبدأ الانهيار الحقيقي حين يفقد المقاتل قناعته بجدوى القتال ويبحث عن مخرج فردي للنجاة وإرسال قوة خاصة لإعادة الفارين يعني أن حالات الهروب لم تعد فردية أو معزولة بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تهدد الانضباط الداخلي فالهروب الجماعي ليس فقط مؤشراً عسكرياً بل علامة نفسية عميقة على فقدان الثقة في القيادة وفي مآلات الصراع ويأتي ما يحدث في مستشفى الرنك الذي استقبل أعداداً كبيرة من مصابي المليشيا القادمين من النيل الأزرق نتيجة استهدافهم بالطيران والمسيرات غير أن ذلك قوبل برفض واسع من سكان الرنك لتلقي الجرحى العلاج داخل المستشفى مما أدى إلى حالة احتقان مجتمعي واضح هذا الرفض يعكس اتساع فجوة العداء بين المليشيا والمجتمع المحلي وحين يصل الاحتقان إلى حد الاعتراض على تقديم الخدمة الطبية فإن الصراع يكون قد تجاوز إطاره العسكري إلى المجال الاجتماعي والإنساني والأسوأ أن استنزاف الأدوية والمعينات الطبية بسبب استقبال الجرحى أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية للمواطنين مما عمّق الغضب الشعبي وأضفى بعداً أخلاقياً على الأزمة.

* فما يجري ليس مجرد خسائر ميدانية متفرقة بل سلسلة مؤشرات متراكمة على تآكل الحاضنة الاجتماعية وتصدع القيادة الداخلية

وتصاعد الانقسامات الجهوية وانهيار الروح القتالية وتوسع دائرة الرفض المجتمعي إن المليشيات بطبيعتها تقوم على منطق الغلبة والرهبة لكنها حين تفقد الرهبة داخلياً وتخسر الغطاء الاجتماعي خارجياً تدخل مرحلة التفكك الذاتي فالقوة المسلحة مهما بلغت لا تستطيع الصمود طويلاً في بيئة رافضة ومع حاضنة تتآكل وقيادة تتنازعها الشكوك وصراعات داخلية تتحول إلى مواجهات دامية فالمشهد الراهن يوحي بأن مليشيا الدعم السريع لم تعد تواجه خصماً عسكرياً فحسب بل تواجه أزمة وجود داخلية تتغذى على أخطائها وتضخمها قراراتها المتعجلة في إعادة تشكيل البُنى الأهلية بالقوة وإدارة الصراع بعقلية الشك والإقصاء ومتى ما تلاقت الضغوط الميدانية مع الانقسامات الاجتماعية فإن مسار التفكك يصبح أقرب من أي وقت مضى ويبقى السؤال هل تستطيع القيادة احتواء هذا النزيف قبل أن يتحول إلى انهيار شامل؟ أم أن الوقائع على الأرض سبقت قدرة المعالجة؟في كل الأحوال فإن المؤشرات المتناثرة لم تعد مجرد روايات ميدانية بل ملامح مرحلة جديدة عنوانها انكشاف البنية وتراجع السيطرة واقتراب لحظة الحسم.