
رمضان جانا… حين تستعيد الروح معناها وتتصالح الدنيا مع نفسها
عمرو خان
*رمضان جانا… عبارة تتردد كل عام، لكنها لا تفقد بريقها أبداً. ما إن يهلّ هلال هذا الشهر حتى تتبدل ملامح الأيام، وكأن العالم يخلع ثوبه العادي ويرتدي ثوباً من نور. ليس رمضان مجرد زمن للصيام عن الطعام والشراب، بل هو لحظة مراجعة كبرى، تستعيد فيها النفس توازنها، ويستعيد المجتمع شيئاً من فطرته الأولى.
*في هذا الشهر، تتجدد النوايا قبل أن تُرفع الأذان، وتُصقل القلوب قبل أن تُغلق المطاعم أبوابها. الصيام ليس امتناعاً عن المألوف فحسب، بل هو تدريب عميق على السيطرة، على تهذيب الرغبات، وعلى إعادة ترتيب الأولويات. حين يمتنع الإنسان طوعاً عما اعتاد عليه، يكتشف أن كثيراً مما ظنه ضرورياً لم يكن كذلك. هنا تبدأ أولى البركات: بركة الوعي.
*رمضان حالة روحانية فريدة، تتجاوز الطقوس لتصل إلى الجوهر. مع أول ليلة، تتجه الأنظار إلى السماء، وتتعالى الدعوات طلباً للعون والثبات والمغفرة.. تتخفف الأرواح من أثقالها، وتُفتح مساحات واسعة للتأمل. في هدوء السحور، وفي خشوع صلاة التراويح، وفي لحظات ما قبل الإفطار حين تختلط رائحة الطعام بارتعاشة الدعاء، يشعر المرء أن الكون أقرب إليه من أي وقت مضى.
*الميزة الأبرز في رمضان أنه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخرين. فجأة، تصبح الرحمة قيمة يومية لا شعاراً مؤجلاً. يحنو القوي على الضعيف، ويتذكر الغني حق الفقير، وتُمد موائد الإفطار في البيوت والمساجد والشوارع. لا يُسأل الضيف عن هويته، بل يُستقبل بابتسامة وكوب ماء وتمرة. في هذا الشهر، يصبح التكافل الاجتماعي ممارسة عملية لا تنظيراً أخلاقياً
*موائد الرحمن، صناديق الزكاة، حملات التبرع، زيارات الأرحام، كلها مظاهر لروح واحدة: أن المجتمع لا يقوم إلا بالتراحم. الصيام يعلّمنا معنى الجوع، لا كفكرة بل كتجربة. حين يشعر الإنسان بالعطش في نهار قائظ، يدرك معنى أن ينتظر غيره وجبة لا يملك ثمنها. من هنا تنبع قيمة الزكاة والصدقات، لا باعتبارها واجباً فقهياً فقط، بل باعتبارها استجابة إنسانية لنداء داخلي.
*رمضان أيضاً شهر المصالحات. كم من خصومات تنتهي مع حلول أيامه الأولى، وكم من قلوب تعود إلى بعضها بعد قطيعة طويلة. وكأن هذا الشهر يمنح الجميع فرصة جديدة، صفحة بيضاء يُسمح فيها بإعادة الكتابة. الاعتذار يصبح أسهل، والتسامح أقرب، لأن المناخ العام مشبع بروح العفو.
*الحياة الاجتماعية في رمضان تشهد حراكاً استثنائياً. المساجد تمتلئ بالمصلين، والأسواق تنبض بالحركة، والمنازل تستعد لاستقبال الأهل والأصدقاء. الشوارع تتزين بالفوانيس، والمقاهي تعود إلى زخمها بعد الإفطار، ومراكز الشباب والنوادي تتحول إلى ساحات نشاط تمتد حتى ساعات متأخرة. لكنه نشاط مختلف؛ فيه طابع احتفالي، وفيه شعور بأن الجميع يشتركون في تجربة واحدة، يصومون معاً ويفطرون معاً ويترقبون العيد معاً
*ومن مميزات رمضان أنه يعيد للأسرة مكانتها المركزية. تجتمع العائلة حول مائدة واحدة في توقيت محدد، يومياً، في مشهد يتكرر ثلاثين مرة.. هذا الانتظام يمنح العلاقات دفئاً مفقوداً في زحام الحياة. يتبادل أفراد الأسرة الحديث، يتشاركون الدعاء، ويتعلم الصغار من الكبار معنى الصبر والانضباط.
*البركات في رمضان ليست مفهوماً غيبياً مجرداً، بل تتجلى في تفاصيل الحياة. بركة في الوقت حين ينجز الإنسان أكثر مما يظن، بركة في المال حين تكفي القليل منه، بركة في العلاقات حين تزداد ألفة، وبركة في النفس حين تهدأ بعد طول اضطراب. حتى القراءة والعبادة تأخذان بعداً مختلفاً؛ فالكلمة تُقرأ بتمعن أكبر، والآية تُتلى بقلب حاضر.
*ولعل أجمل ما في رمضان أنه يمنح الإنسان فرصة لإعادة اكتشاف براءته الأولى. في زحمة العام، تتراكم القسوة والتوتر والاندفاع. يأتي هذا الشهر كاستراحة كبرى، يعيد فيها المرء ضبط إيقاعه. كأن الحياة تُنزع عنها طبقات الغبار، وتعود إلى بساطتها الأولى: تمر، ماء، دعاء، سجدة.
*غير أن قيمة رمضان لا تكتمل إلا إذا امتدت روحه إلى ما بعده. التحدي الحقيقي ليس في الصيام ثلاثين يوماً، بل في الحفاظ على بعض من نقاء هذه الأيام طوال العام.. أن يبقى في القلب شيء من رحمته، وفي السلوك شيء من تهذيبه، وفي المجتمع شيء من تضامنه.
*رمضان ليس مجرد محطة زمنية، بل مدرسة سنوية. مدرسة للصبر، للرحمة، للكرم، للمصالحة، وللتأمل. وفي كل عام، يعود ليذكرنا بأن الخير ما زال ممكناً، وأن الإنسان قادر على أن يكون أفضل مما يظن. ومع كل أذان مغرب، ومع كل دعوة صادقة، يتجدد الأمل بأن تظل هذه الروح حاضرة، وأن تمتد بركات هذا الشهر لتصنع مجتمعاً أكثر تراحماً وإنسانية.
*رمضان جانا… فلتجدد القلوب عهدها، ولتفتح النوايا أبوابها، ولنجعل من هذا الشهر بداية لا تنتهي بانتهاء أيامه، بل تستمر أثرًا طيبًا في الحياة كلها.
*كاتب صحفي مصري