الطاقة الشمسية تحول (حسين نارتي) الصحراوية إلى واحة خضراء (3-3)
- السودان مؤهل لغزو العالم بالمنتجات الزراعية المروية من الشمس
- (الأمن الطاقي) في السودان رهين بتعميم الري بالطاقة الشمسية
- مقارنة بين تكلفة ري المشاريع الزراعية بالطاقة الشمسية والري بالديزل
- دراسة: الإستغلال الحالي لموارد الطاقة المتجددة في السودان لا يتناسب مع الإمكانات العالية المتاحة
حسينارتي ــ عادل الحاج:
رب ضارة نافعة.. هذه العبارة سمعتها تتردد كثيرا وسط المزارعين والمستثمرين الذين تخلوا تماما عن ري مزارعهم وبساتينهم بالكهرباء العامة والتي نعرف جميعنا ما حل بها بسبب الحرب والمسيرات ولذلك اتجهوا لري مزارعهم وبساتينهم العطشى بمنظومة الطاقة الشمسية.. وخير مثال على ذلك تجربة المزارعين والمستثمرين بمنطقة (حسين نارتي) الصحراوية محلية الدبة الولاية الشمالية والتي فوجئت عند زيارتي لها تحولها لواحة خضراء يانعة بفضل الطاقة الشمسية بعد ان كادت تموت من عطش المياه والكهرباء معا.. (أصداء سودانية) تنقل هذه التجربة الرائدة عبر هذا التحقيق الميداني
مؤهلات طبيعية:
يمتلك السودان مؤهلات طبيعية فريدة لتوليد الطاقة الشمسية، تجعله من أكثر دول العالم ملاءمة للاستفادة من هذا المصدر كاملاً وطموحاً، فوفرة الإشعاع الشمسي المستقر والقوي في أغلب المناطق الصحراوية والجنوبية تخلق بيئة مثالية لأنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV) وأنظمة الطاقة الشمسية المركَّزة (CSP)، مما يرفع من كفاءة الإنتاج ويخفض التكلفة لكل وحدة كهرباء مقارنة بالعديد من المصادر المتجددة الأخرى.. دراسة تحليلية لتصميم محطة طاقة شمسية مركَّزة بسعة 80 ميغاواط في السودان وجدت أن المشروع يمكن أن يولد
نحو 281 جيجاواط /ساعة سنوياً بمعدل تكلفة كهرباء تصل إلى حوالي
0.155 دولار، مما يشير إلى جدوى اقتصادية وفنية قوية عند الظروف المحلية للإشعاع والأراضي المتاحة.
من منظور الاقتصاد الكلي والاستثمار، تُظهر دراسات حديثة أن الاستثمار في تصنيع مكوّنات الطاقة الشمسية داخل السودان ـ مثل الألواح الشمسية ـ لديه جدوى مالية جيدة حتى في مراحل الإنتاج الأولية، على سبيل المثال تحليل لخطوط إنتاج بقدرات مختلفة بين 10 و40 ميغاواط سنوياً وجد أن تكلفة الإنتاج للوحة شمسية في السودان تتراوح بين 434 و445 دولار/ك.و، مع فترات استرداد قصيرة نسبياً تصل إلى 1.1 سنة في أفضل سيناريو للتوسع، وهو مؤشر قوي على قابلية هذا القطاع للتحول إلى صناعة محلية تنافسية.
أما على مستوى القطاع الزراعي والريّ، فقد بينت الأبحاث المقارنة في دول عربية (مثل مصر) أن تكاليف الاستثمارات في أنظمة الري بالطاقة الشمسية تكون أقل عرضة لتقلبات أسعار الوقود الأحفوري، وتحقق معدلات عائد داخلي أعلى من استخدام المولدات التقليدية، مما يزيد من الاستقرار المالي للمزارعين والمنتجين الزراعيين على المدى الطويل
من جانب آخر، تشير دراسات اقتصادية وطنية إلى أن الطاقة المتجددة عامة، بما فيها الطاقة الشمسية، تسهم بشكل مباشر في التنمية المستدامة عبر تحسين الوصول إلى خدمات الطاقة الحديثة، خفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية غير المستدامة، ورفع مستوى التنافسية في القطاعات الإنتاجية ومع ذلك، رصدت هذه الدراسات أيضاً أن الاستغلال الحالي لموارد الطاقة المتجددة في السودان لا يتناسب مع الإمكانات العالية المتاحة، بسبب قلة الاستثمار، وضعف السياسات الداعمة، ومحدودية التمويل، مما يبرز الحاجة إلى إصلاحات هيكلية لتعظيم مردود الاستثمار في هذا القطاع.
الجدوى في نقاط:
دراسة جدوى إقتصادية لإستخدام الطاقة الشمسية في المجال الزراعي ــ تحصلت (أصداء سودانية) على نسخة منها ــ نختصرها في عدة نقاط رئيسية:
ــ تقليل تكلفة توليد الكهرباء: الطاقة الشمسية في كثير من المواقع القادرة على إنتاج الكهرباء بتكلفة تنافس أو أقل من مصادر الوقود التقليدية، خاصة في ظل تذبذب أسعار النفط والديزل.
ــ تحسين الإستقرار المالي: عبر تقليل التقلبات المرتبطة بتكاليف الوقود الأحفوري، وتحسين توقعات العائد على الاستثمار للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ــ خلق فرص صناعية وتجارية محلية: من خلال تطوير سلسلة قيمة إنتاج وتجميع مكوّنات الطاقة الشمسية داخل البلاد، مما يخلق وظائف ويحدّ من الاستيراد.
ــ دعم التوسع في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية: مثل الريّ المستدام، والإنتاج الصناعي، والمنازل الذكية، وخدمات الإتصالات، وهو ما يعزز النموء الإقتصادي العام.
وبالنظر إلى هذه المؤشرات العلمية والاقتصادية التي تناولتها دراسة الجدوى، يتضح أن الطاقة الشمسية في السودان ليست مشروعاً بيئياً فحسب، بل مشروعاً اقتصادياً استراتيجياً يمكن أن يسهم بشكل جوهري في تحسين الأمن الطاقي، تعزيز النمو الاقتصادي، وخفض فجوة الطاقة، إذا ما اقترن ذلك بسياسات داعمة، تمويل مناسب، وتعاون بين القطاعين العام والخاص.
مقارنة بالديزل:
أكد اقتصاديون زراعيون، من خلال دراسة جدوى مفصلة، أن نظام الري بالطاقة الشمسية يفوق من حيث التكلفة الاقتصادية نظام الري بالديزل في مرحلة الشراء الأولية، فيما أن نسبة إنخفاض تكلفة الطاقة الشمسية في المشروعات الزراعية قد تصل 50% من حيث خفض التكلفة الفعلية بعد التشغيل والإنتاج.. وقدمت الدراسة أرقاما تقديرية لتكلفة الري لكل فدان في السياق السوداني، مستندة إلى دراسات محلية وعالمية كالآتي:
ــ التكلفة الأولية: (الاستثمار)
الديزل- المحروقات: تكلفة شراء مضخة ديزل ومرفقاتها منخفضة نسبياً مقارنة بالأنظمة الشمسية، إذ يتراوح سعر المضخات التقليدية بين قرابة 500 و5,000 دولار للمضخة مع نظام الوقود دون احتساب العمليات، وهي تكلفة في متناول يد المزارع التقليديين.
الري الشمسي:

وبالنسبة لأنظمة الري الشمسي فهي تحتاج إستثماراً أعلى نظراً لتكلفة الألواح الشمسية والمضخات والمعدات، حيث تتراوح الأنظمة الشمسيّة الجاهزة بين نحو 2,000 و10,000
دولار او أكثر حسب سعة المضخة لذلك نجد أن مضخة الديزل أرخص عند الشراء الأولي، لكن هذا لا يعكس التكلفة الحقيقية على مدى عمر النظام.
ــ التكلفة التشغيلية السنوية بالنسبة للديزل: (التشغيل + الوقود + الصينة) فهي تعتمد وفقاً لنظام الري بالديزل بشكل كامل على الوقود، الذي يشكّل أغلب كلفة التشغيل السنوية، ففي السودان نجد أن سعر لتر الديزل يُقدَّر بنحو 3,000 – 3,700 جنيه سوداني تقريباً (أي ما يعادل حوالي 0.65 – 0.75 دولار تقريبًا) حسب الولاية وطبيعة السوق.
وبافتراض إستهلاك مضخة ديزل متوسطة نحو 100–200 لتر ديزل للموسم الواحد (يعتمد على حجم المضخة ووقت التشغيل)، فإن تكلفة الوقود السنوية قد تصل إلى نحو 65 – 150 دولارًا للموسم الواحد دون احتساب الصيانة الإضافية لمرحل المحرك.
اما الطاقة الشمسية فلا توجد تكلفة وقود لأن الشمس مجانية، وتقتصر المصاريف التشغيلية على صيانة بسيطة (تنظيف الألواح ومتابعة المضخة) التي تُقدَّر غالباً بعشرات الدولارات سنوياً مقارنة بالديزل.
والنتيجة عمليًا فإن نظام الري بالطاقة الشمسية يوفر للمزارع ما قد يصل إلى 50% أو أكثر من مصاريف التشغيل السنوية مقارنة بالديزل فالتكلفة الإجمالية على المدى الطويل (5–10)
سنوات، عند حساب التكلفة الكلية (الإستثمار + التشغيل طوال العمر المتوقع للنظام)، يتضح أن الري بالطاقة الشمسية، أي تكلفة التشغيل السنوية المنخفضة تؤدي إلى إنخفاض كبير في التكلفة الإجمالية للفدان على مدى 5–10 سنوات على سبيل المثال.
اما الري بالديزل فنجده يحمل المزارع مصاريف وقود وصيانة متزايدة سنوياً، ما يجعل التكلفة المتراكمة أعلى بكثير بعد عدة سنوات من التشغيل، وبذلك تتضاعف تكلفة التشغيل الكلية لمضخات الديزل بعد إستبدالها مرات متعددة على مدار عشر سنوات مقارنة بتكلفة نظام شمسي واحد طويل العمر.
خلاصة القول:
إستنادا على تجربة المشاريع الزراعية بمنطقة حسينارتي محلية الدبة الولاية الشمالية، والتي جاءت في سياق التحقيق الصحفي الميداني بحلقاته الثلاث من داخل تلك المشاريع وآراء المستثمرين والمزارعين هناك والذين باشروا ري مشاريعهم ومحاصيلهم وبساتينهم بمنظومة الطاقة الشمسية، نخلص لنتيجة مفادها، ان الطاقة الشمسية في المشروعات الزراعية ليست حلاً سحرياً مطلقاً، بل (خيار إستراتيجي) ناجح إذا أُحسن التخطيط له وجرى تقييم عيوبه وتحدياته الفنية والاقتصادية بدقة، مع مراعاة حجم المشروع، وطبيعة المحاصيل، والظروف المناخية المحلية.. وعلى الدولة بأجهزتها المختصة العمل على تسهيل منظومة الطاقة الشمسية للمزارعين والمستثمرين، وضبط أسعارها في الأسواق، والتي لاحظنا أنها إرتفعت لأرقام فلكية بعد إشكالية الإمداد الكهربائي المعروفة بسبب الحرب، خاصة بالمناطق الزراعية.