آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (39) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (د)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*في هذه اللحظة دق على الجانب الآخر من السفينة جرس يدعو للعشاء فكان علينا أن ننصرف.

*ما وصفه الدكتور (ب) لي من أحداث كان به كثير من التفاصيل قمت بتلخيصها في هذا المقام، فقد دام حديثنا لمدة ساعتين، ثم شكرته بشدة واستأذنته، لكنني لم أقطع الممشى حتى وجدته يلحقني ويضيف متلعثماً، والتوتر واضح عليه: (هناك شيء آخر عليك أن تؤكد على السادة سلفاً، حتى لا أبدو سخيفاً فيما بعد أنني لن ألعب إلا دوراً واحداً، سيكون الغرض منه إنهاء حساب قديم؛ طي صفحة وليس بداية جديدة، لا أريد أن أصاب مرة أخرى بحمى اللعب الجارفة التي يقشعر لها بدني عندما أتذكرها.

*وبالمناسبة أتذكر أن الطبيب حذرني، وأنذرني بعبارات صريحة بأن كل من كانت له هذه النزعة – أو أصيب بتسمم الشطرنج – مهدد للأبد حتى بعد الشفاء أن ينتكس، وأنه من الأفضل ألا يقترب من رقعة شطرنج مرة أخرى. أنت تفهم قصدي، إنه دور واحد للتجربة، لنفسي ولا أكثر.

*في تمام الساعة الثالثة حسب الموعد، تجمعنا في اليوم التالي في غرفة التدخين، وانضم لصحبتنا أيضاً اثنان من محبي اللعبة الملكية؛ هما ضابطان من طاقم السفينة بعد أن طلبا إذناً من عملهما خصيصاً لحضور المباراة. حتى تشينتوفيتش لم يتأخر كما كان يفعل في المرات السابقة وبعد الاختيار الإلزامي للألوان، بدأ هذا الدور الجدير بالتذكر بين هذا الكائن الغريب ضد بطل العالم المشهور.

*ولكن مع الأسف، لعب أمام جمهور لا يفقه في اللعبة فسقطت من سجل حوليات الشطرنج، كما ضاعت ارتجالات بيتهوفن على البيانو بالنسبة للموسيقى.. رغم محاولاتنا المشتركة لإعادة سير المباراة في الأيام التالية استرجاعاً من الذاكرة، لم نفلح قط. وأغلب الظن أننا جميعاً كنا خلال اللعب منشغلين بشغف باللاعبين بدلاً من الانتباه لسير الدور.. فالتناقض العقلي المنعكس على المسلك الجسدي للاعبين كان يزداد وضوحاً مع مرور الوقت خلال المباراة.

نهاية المداد:

*يصدأ الحديد أذا لم يستخدم ويركد الماء أذا لم يتحرك ، وهذا هوَ ما يحدث للعقل إذا لم يفكر.

  (ليوناردو دافنشي)