آخر الأخبار

السودان بين سندان التمرد ومطرقة الاختطاف

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*تمر الدولة السودانية اليوم بمنعطف تاريخي لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يحتمل العودة إلى الوراء عبر بوابات (الفرقعات السياسية) أو محاولات الاختطاف الحزبي.. إن المعركة الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية لتطهير البلاد من دنس التمرد، بل هي معركة وجودية تهدف إلى صهر الهويات الضيقة في بوتقة القومية السودانية الخالصة، بعيداً عن الاستقطابات الأيديولوجية التي أقعدت الوطن لعقود.

*لقد جاءت الرسائل الأخيرة من القيادة العسكرية والسيادية واضحة وحاسمة: المشروع الوطني الحالي لا يعرف (إخواناً مسلمين)، ولا )مؤتمراً وطنياً)، ولا (شيوعيين).. هذا التأكيد من عدم التبعية الحزبية يضع النقاط على الحروف؛ فالدولة لن تكون مرتهنة لأي جهة تسعى للاستيلاء على مواردها ومقدراتها تحت أي لافتة سياسية.. إن الهدف الأسمى الآن هو تنظيف البلاد من كل من يسعى لابتلاع موارد الشعب، والتركيز على لحمة وطنية تتجسد في خندق واحد يجمع الجيش والشعب.

*هذا الموقف الصارم يقطع الطريق أمام المتربصين الذين يحاولون وصم القوات المسلحة بالتبعية لتيار بعينه، ويؤكد أن (البوصلة) الوحيدة هي إنسان هذا الوطن، الذي صمد في وجه النزوح، وحول مناطق التعدين إلى ممسكات لبقاء الدولة بالرغم من كل الصعاب.

*في سياق متصل، تبرز محاولات يائسة لإعادة إحياء كيانات إدارية وقانونية (محلولة( بقرارات سيادية، تحت مزاعم تطهير الدولة.. إن الحديث عن عودة لجان ثبت فسادها وعدم نزاهتها قانونياً، هو نوع من (العبث السياسي) الذي يفتقر للسند الدقيق. فكيف لكيانات اتُهمت بتبديد الأموال وانتزاع الممتلكات دون أحكام قضائية، وأُودع أعضاؤها السجون بتجاوزات مالية، أن تتحدث اليوم باسم الثورة أو الشعب؟.

*إن العدالة لا تُبنى على تصفية الحسابات الحزبية، والوطن الذي يواجه حرباً وجودية ضد ميليشيات متمردة لا يملك رفاهية الانشغال بمعارك جانبية تثير الجدل وتشق الصف الداخلي.. إن الرهان الآن هو على السيادة الوطنية والتنسيق بين مؤسسات العدالة الرسمية للرد على أي مساس بهيبة الدولة.

*إن معركة الكرامة ماضية في استئصال شأفة التمرد، ولا مجال فيها لهدنة أو مصالحة مع من رفع السلاح في وجه المواطن. لكن في المقابل، يظل الباب موارباً لمن هم في الخارج؛ فمن أراد العودة إلى “طريق الحق” والالتفاف حول خيار الشعب، فمكانه الداخل، بعيداً عن الارتهان للأجندات الأجنبية.

*ختاماً، إن السودان الجديد يُبنى اليوم من عرق المنقبين في (أبو حمد) وصمود النازحين في (نهر النيل) وبسالة الجنود في الميدان.. إنها دولة التعايش السلمي التي تنصهر فيها القبائل لتصبح جيشاً واحداً خلف قيادة تؤمن بأن الموت والحياة مع الشعب ولأجله فقط، هي الضمانة الوحيدة لعدم اختطاف الدولة مرة أخرى.