آخر الأخبار

بانت – رفاعة … قصة نزوح وفقد فادح (2-2)

 

  • هكذا كانت أحوالنا في النزوح (حكايا) لا تنتهي وجروح غائرة لن تندمل
  • في طريق رحلتنا كنا نأكل من سنابل الذرة (القنقر) وقصب العنكوليب الجاف
  • نال منا التعب والجوع والعطش ولاشي يلوح في الأفق سوى الجبال البعيدة

رفاعة – سهير محمد عبدالله:

 

فقدنا الإتصال بقواعدنا:

من القرى التي مررنا بها بعد ذلك (الحمر،الرضمه،ود آدم،ودساقورته) وهي أخر المحطات التي كان يمكن أن تصل إلينا فيها السيارات التي أرسلت من قبل الخيريين والمغتربين المقيمين في كافة دول العالم من أبناء قرية بانت لإجلاء زويهم وعائلاتهم و أهاليهم العالقين إلى مناطق أكثر أمنا ، إلا أن ما حدث في قرية ( ود ساقورته) قد ضاعف من معاناتنا عندما سمعنا إطلاق أعيرة نارية فيها كانت لمتفلتين شيع بأنهم من منسوبي الدعم السريع أرادو الاستيلاء على أحد السيارات فحدث تبادل بينهم وبين صاحب السيارة أدى إلى مقتل أحد المتفلتين, فتفرقنا في كل اتجاه بعدها من شدة الزعر, وتوجهنا لوجهات مختلفة خوفا من ردة الفعل التي يمكن أن تجرها تلك الحادثه تبعثرنا بعد أن أوشكت عملية اجلائنا من النجاح وفقدنا الإتصال بقواعدنا التي تتابع رحلات النزوح وتأمين النازحين.

مياه الترع والحفير:

سرنا بعد ذلك حتى تورمت أقدامنا من بعد المناطق وطول المسافات وزاد الأمر تعقيدا عندما نفد مابحوزتنا من زوادة وماء وكنا كلما نمر بقرية نجد أهلها قد هجروها فيصعب علينا أحيانا كثيرة الحصول على مياه الشرب, وعندما نمر على بعض المزارع في طريقنا كنا نأكل من سنابل الذرة (القنقر) وقصب العنكوليب الجاف, شربنا كثيرا من مياه الترع والحفير فقد كنا نقوم بخلطها بدقيق الذرة حتى نشعر بإحساس الارتواء اللحظي الزائف خشية الجوع والعطش, وفي بعض القرى التي مررنا بها كنا نقعد فيها للاستجمام قليلا, سرعان ما يهرع الرجال لعمل التكايا يتنادون على بعضهم البعض ولكل من بحوزته بعض المواد لصنع وجبة تحفز الناس على مواصلة المسير ،اتممنا يومنا الرابع ونحن في ذات الحال نسير في جماعات وفرادى ليلا ونتوقف نهارا حسب نسبة الأمان في المنطقة, كنا نقابل النازحون من مختلف قرى شرق الجزيرة يسيرون في الطرقات على مد البصر راكبين عربة الكارو وراجلين رافعين ايديهم للسماء تضرعا كلما اشتد بهم الحال, فقدنا الكثيرين من أهلنا في هذه الرحلة الشاقة توفاهم الله أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن الذين حملوا على لحاف لرهافة أجسادهم, والمقعدين وذوي الهمم العالية والاكفاء, ومن أعيته المسافات ولم يعد قادرا على مواصلة المسير, كثر هم من رحلوا عنا منهم من قبروا في القرى التي نمر بها وكثيرون منهم شملتهم قائمة المفقودين بعد أن تقطعت بهم السبل ولم يتم العثور عليهم حتى الآن فضلا عن المخلفون من أهالي القرية الذين لم ينجو من المعاناة لوجودهم في منطقة لاتزال تحت الإحتلال.

ليلة في العراء:

من القرى التي كان علينا عبورها حتى تتمكن السيارات التي تقلنا إلى حدود الشرق أو إلى أول نقطة تفتيش للجيش قرية الفردوس وبعدها توجهنا إلى قرية تائبين والتي كان يجب أن تكون محطتنا الأخيرة التي ننتقل بعدها إلى وحدة حريرة الادارية والتي تتبع لمحلية الفاو وهي أحد المحليات التي تتبع لولاية القضارف, إلا أن الشاحنة التي أرسلت لا جلائنا تعطلت بسبب الأمطار التي هطلت بغزارة في تلك الليلة التي كنا نظنها آخر ليلة في معاناتنا, قضينا ليلة في العراء توسدنا فيها الأرض والوحل وصارعنا عصف الرياح الباردة كنا نقارب حوالي (250) شخصا ببننا أطفال رضع وحوامل ورجال ونساء مسنات وشباب يافعين عندما أشرقت الشمس بعد تلك الليلة الحالكة كان يحدونا أمل أن تتم الصيانة حتى نصل إلى نقطتنا الأخيرة بسلام, لكن يبدو أن العطل يحتاج لأيام حتى يتوفر الإسبير بعد أن يتم جلبه من أحد المحطات القريبة وقد يستغرق ذلك زمنا فترجلنا مرة أخرى بقوى خائرة وقلب مجروح وجسد منهك، ومشاعر مترامية, وكلما نقطع مسافة نتوقف لنستظل بالشجيرات الصغيرة المتفرقة هنا وهناك على طول الطريق المؤدي إلى منطقة حريرة حيث المشاريع الزراعية الشاسعة, نال منا التعب والجوع والعطش ولاشي يلوح في الأفق سوى الجبال البعيدة والسراب الذي يترآى لنا وقد انتصف النهار وكان يومنا السادس للنزوح سيرا على اقدامنا.

للنجاة وجه خفي:

بينما كنا نجابه ظروف النزوح القاسية هجير الشمس والمسير المضني توقف أمامنا (دفار ) جامبو قاصدا حريرة وهي ذات المنطقة التي ظللنا نحلم بالوصول إليها وعندما لوح لنا السائق بكلتا يديه يرجونا أن نصعد لعله في عجلة من أمره أدركنا حينها أن للنجاة وجوه عديدة يسطرها الله لنا من حيث لانحتسب تدافعنا جميعنا غير مصدقين إننا تجاوزنا الموت عطشا ورهقا وجوعاً في منطقة محاصرة، كنا نتمنى أن نأكل فيها حشائش الأرض وتمكنا من الوصول إلى حريرة بمحلية الفاو وصولا إلى القضارف علنا نتلمس فيها آمنا وقد وافق ذلك اليوم الخميس الثلاثين من أكتوبر 2024

لا خلصت حكاوينا لا لقينا البداوينا: 

تفرقت بنا وأهلنا السبل, تشتتنا كالضباع الهائمات بلا وطن مثل ذرات الرمال على الوجوه، سوف يغسلنا الغريب ولا كفن, هكذا كانت أحوالنا في النزوح حكايا لا تنتهي وجروح غائرة لن تندمل.