آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (26) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ق)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

 

*تسمر نظري وكأنني مجذوب إلى هذا الجيب الذي يوحي أن بداخله كتاباً، واقتضت عيناي على هذه البؤرة.

*كما لو أرادت أن تُحدث تجويفاً في المعطف.. ثم فقدت السيطرة على فضولي واقتربت دون إرادتي. مجرد فكرة أن ألمس الكتاب بيديٍّ من خلال القماش جعلت أصابعي تشتعل حتى أظافري. أخذت أقترب دون أن أشعر، ولحسن الحظ لم يكترث الحارس بحركاتي التي لا بد أنها بدت غريبة. وربما لم ير غرابة في أن يستند رجل، ظل واقفاً لمدة ساعتين، قليلاً إلى الحائط.

*أخيراً أصبحت قريباً جداً من المعطف، وتعمدت ربط يدي خلف ظهري؛ حتى أستطيع أن أتلمس المعطف دون أن يلاحظني أحد. تحسست القماش وبالفعل شعرت بشيء مستطيل غير جامد يُسمع له خشخشة خافتة، إنه فعلاً كتاب! كتاب جاءتني فكرة وصعقتني كالبرق والهبت فكري؛ أن أسرق هذا الكتاب ربما أنجح فأستطيع أن أخفيه في الزنزانة وأقرأ، وأقرأ، وأقرأ، أخيرا أقرأ من جديد ما إن تملكتني الفكرة، إلا وأخذت تسري بداخلي كالسم الفتاك.

*فجأة سمعت طناناً في أذنيّ، وشعرت بخفقان في قلبي وتجمدت يداي كالثلج؛ بحيث لم أعد أسيطر عليهما. لكن بعد استعادتي توازني اقتربت أكثر من المعطف بهدوء ومكر، وأنا مثبت النظر على الحارس، ويداي مخفيتان وراء ظهري؛ لأستخرج الكتاب من الجيب شيئاً فشيئاً. ثم بحركة خفيفة أحكمت يدي على الكتاب الصغير وسحبته بحرص مرة واحدة. الآن فقط أدركت عملتي؛ لكن لم يعد بالإمكان الرجوع عنها. لكن أين أضعه؟ دسسته وراء ظهري من تحت الحزام ثم زحزحته حتى استقر في الوسط عند موضع الخياطة؛ لأتمكن من الضغط عليه بيدي في مشيتى كالعسكر. كان على أن أقوم بعمل تجربة فابتعدت خطوة عن مشجب المعاطف ثم الثانية ثم الثالثة، فوجدت أنني أستطيع أن أمشى بالكتاب ما دمت ممسكا به بيدي ضاغطاً على الحزام.

*ثم بدأ الاستجواب، وكان أكثر إجهاداً من المرات الأخرى؛ حيث إن تركيزي وأنا أجيب عن الأسئلة لم يكن منصباً على ما أقول، بل على الإمساك بالكتاب دون أن ألفت النظر من حظي أنه كان قصيراً هذه المرة، فعدت إلى الغرفة بالكتاب سالماً غانماً. لن أطيل عليك بسرد التفاصيل، ففي مرة كاد أن يسقط وأنا أسير، وكان علي أن أتظاهر بنوبة سعال حتى يتسنى لي أن أنحني وأزحزحه مرة أخرى إلى مكانه تحت الحزام. لكن كيف أصف لك لحظة العودة إلى جحيمي، حين أصبحت أخيراً وحدي، ولكن ليس وحيدا بعد الآن.(يتبع).

نهاية المداد:

العقلاء يفهمون الأشياء والأذكياء يفهمون الناس

أنيس منضور