آخر الأخبار

الآلية الوطنية وجرائم النشر والمعلوماتية وحرية العمل الصحفي

قبل المغيب

عبدالملك النعيم أحمد

 

*في ظل الفضاء والمفتوح وظهور وسائط التواصل الإجتماعي والانترنت أختفي ما يعرف بحارس البوابة (Gate_Keeper)في الصحافة الورقية وظهر التداخل الواضح بين النشر العام والمواطن الصحفي وبين العمل الصحفي المهني المقيد بضوابط وقوانين ولوائح منظمة للنشر وفق ميثاق الشرف الصحفي والذي كان كفيلاً بضبط مهنة الصحافة والنشر الصحفي عموماً

*ففي الصحافة الورقية التي للأسف إختفت الآن وكادت تتلاشي تماما حتى في البلدان المستقرة سياسيا واقتصاديا يوجد في كل صحيفة سكرتير التحرير ثم مدير التحرير وأخيراً رئيس التحرير وجميعهم يمثلون حلقات مترابطة لمراجعة المادة الصحفية أياً كانت خبراً ام تقريرا أم عمودا أو مادة ثقافية او رياضية أو مجتمعية لانها مرتبطة بالأمن القومي للبلاد وبالأمن المجتمعي والأخلاق ومعهم المدقق اللغوي الذي يراجع المادة ويطمئن على سلامتها اللغوية والنحوية لأن الصحيفة تمثل لدي القارئ إحدى أدوات تشكيل الرأي العام وتثقيفه وتعليمه لفرد في المجتمع..ما ذكرته هو معلوم بالضرورة للكثيرين وخاصة أهل المهنة ولكن المؤسف ان جل ما ذكرته إن لم يكن كله قد تلاشي واختفى في ظل الفضاء المفتوح وثقافة الانترنت والموبايل الشيئ الذي ادى إلى حدوث تشوهات كثيرة في المجتمع وظهرت جرائم المعلوماتية والنشر الضار بالأمن القومي وأمن المجتمع والإساءات الشخصية والمهاترات وحتى الفيديوهات التي في الكثير منها تجاوزات لا حصر لها وبكل أنواعها.

*لا شك أن هناك فوائدا كثيرة لهذه الطفرة الرقمية الهائلة وفي كل مجالات الحياة وفي الأبحاث العلمية على وجه الخصوص وغيرها مما تحتاجه البلدان للنمو والتطور ويحتاجه الانسان لعمله وادارة شؤون حياته ولكن يحدث ذلك في حالة الإستخدام الأمثل لهذه التقنية الحديثة فهي في نهاية الأمر تمثل وعاءاً أنيقاً يمكن أن تضع فيه الوجبة الدسمة التي تفيد من يتناولها كما يمكن ان تضع فيه السم القاتل لذلك وفي هذه الحالة لابد من وجود قانون ولوائح تحمي المجتمع والبلاد وتضمن حربة النشر والتعبير تلك هي المعادلة التي تحتاج للوزنة الصحيحة.

*مناسبة حديث اليوم هو القرار الذي أصدره رئيس مجلس الوزراء دكتور كامل إدريس بتشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية برئاسة مساعد النائب العام وعضوية آخرين من جهات ذات صلة والغرض من تشكيل الآلية هو تحقيق الأمن الرقمي وحماية الأمن المجتمعي وتقع على الآلية الجديدة مسؤولية مكافحة جرائم المعلوماتية والنشر الضار بامن المجتمع ورصد ومتابعة كل ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي  ومنحت الآلية صلاحيات إتخاذ الإجراءات الوقائية القانونية اللازمة ولها الحق في قيد الدعاوي القضائية نيابة عن الدولة في كل ما يهدد أمن المجتمع والدولة على حد السواء بما يضمن سيادة حكم القانون ومواجهة المخاطر  الرقمية وفق الأطر العدلية المعتمدة.

*لا شك أن وجود مثل هذه الآلية أو اللجنة أياً كانت تسميتها ومنحها الصبغة أو الصفة القانونية بإشراف مساعد النائب العام عليها تبدو من الأهمية بمكان في ظل الفضاء المفتوح وبهدف مكافحة جرائم المعلوماتية بعد أن إزدادت وتضرر منها الكثيرون فمسالة الضبط بالقانون تبدو مهمة بل ضرورية ولكن قبل ان تبدأ هذه اللجنة أو الآلية في مهامها هناك جملة متطلبات لابد من توفرها كما أن هناك واقعاً معاشا الآن لابد من استصحابه وملاءمته مع واجبات الآلية ومهامها منعا للتداخل او التجاوز.

*لقد عانى الصحفيون كثيرا في المحاكم بسبب محاكمتهم بقانون المعلوماتية الذي يعتبر اوسع إطاراً من قانون الصحافة والمطبوعات المسؤول عن تنظيم مهنة الصحافة مما صنف بأنه تعد واضح على حرية العمل الصحفي والنشر الخاص بممارسة المهنة لذلك فالمطلوب أولا نشر القانون الذي ستعمل به هذه الآلية إن كان موجودا بالفعل وإن لم يكن قد تم إعداده فالمطلوب صياغة قانون واضح التفاصيل يفرق بين النشر الصحفي الخاص بممارسة المهنة وبين المادة التي تدخل ضمن قانون المعلوماتية وذلك تفادياً لأي تعدى علي حرية الصحافة من جانب ومحاكمة الصحفيين بقانون لا يعنيهم من الجانب الآخر.

*والأمر الثاني هو ضرورة التنسيق الكامل مع وزارة الإعلام والمجلس القومي للصحافة والمطبوعات وإتحاد الصحفيين السودانيين لتعديل قانون الصحافة والمطبوعات الحالي ليشمل الاعلام الرقمي الجديد والنشر الصحفي الإلكتروني وذلك بغرض إستيعاب المستجدات في العمل الصحفي وليكون هو المرجعية التي يتم بموجبها محاسبة الصحفيين في قضايا النشر الصحفي…فإزالة الخلط بين مخالفات النشر الصحفي وجرائم المعلوماتية بالقانون يبدو من الأهمية بمكان ولا يجب أن يترك للتقديرات الشخصية لمن بيده القلم…نقول ذلك لان الواقع الآن في جرائم النشر به الكثير من التداخل الذي أضر بالطرفين الصحفي من جانب والمتضرر من النشر السالب من الجانب الآخر فضلاً عن التعدي الذي يمكن ان تتضرر منه حرية الصحافة نفسها.

*فسن القوانين والتشريعات المنظمة لكل ما ينشر علي وسائل التواصل الإجتماعي تبدو أولوية ويجب أن تطرح ويشارك في صياغتها خبراء القانون والعاملون في مجال النشر وأهل مهنة الصحافة وبعد التوافق عليها وإجازتها يترك تنفيذها لجهات الإختصاص كل في مجاله.

*فالصلاحيات التي منحت لهذه الآلية كما جاءت في القرار تبدو واسعة وكبيرة لذلك لابد من ضبطها بقانون متفق عليه لكي لا تربك المشهد في ساحة النشر أكثر مما هو مرتبك الآن من حيث تريد هذه الآلية إصلاحه وضبطه وتطويره بما يحقق حرية العمل الصحفي ومكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الأمن القومي وأمن المجتمع.