إعلان الاستقلال من داخل البر لمان… مناسبة تاريخية مهمة
- 70عاما في انتظار المشروع الوطني النهضوي
- خرج المستعمر وغنينا مع العطبراوي (ياغربب يلا لبلدك) …ولكن
- لماذا تأخر السودان وهو يمتلك من الموارد المادية والبشرية ما يمكنه من امتلاك اسباب النهضة؟
- شكرا للسيد عبدالرحمن دبكة والسيد جمعة سهل على اقتراح وتثنية إعلان الاستقلال من داخل البرلمان وتدشين دولة 1956م
تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
في منتصف العام 2009م ذهبت في مأمورية رسمية لمحلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور وفي لحظة وصولنا وجدنا أن كل القائمين على أمر المحلية (المعتمد والمدير التنفيذي ورؤساء الإدارت بالمحلية) بمنزل السيد ناظر عموم قبيلة البني هلبة الناظر التوم عيسى دبكة (الآن هو من الزعامات الأهلية التي اصطفت مع التمرد وتلك قصة اخري) محتفلين بمناسبة قدومه من الأراضي المقدسة وقد استضافتنا بديوان الناظر وأول ما لفت نظري هو تلك الصور المعلقة على جدران حا ئط الديوان صور السيد عبدالرحمن دبكة نائب دائرة البقارة نيالا الغربية (عد الغنم) الآن اسمها تحول إلى(عد الفرسان) عاينت في الصور ووجدت كل مراحل المقترح التاريخي المتمثل في إعلان الاستقلال من داخل البرلمان والصور تحكي ذلك المشهد منذ تقديم المقترح بواسطة السيد عبدالرحمن دبكة مرورا بثثنيته بواسطة السيد جمعة سهل نائب دائرة المزروب بكردفان.
الصور لها دلالات تاريخية:

مجموعة الصور التاريخية المعلقة في الجدران تحكي عن أخطر قرار اتخذته السلطة التشريعية وبعدها بأيام طوت الإدارة البريطانية علم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وجاءت الحكومة السودانية ممثلة في السيد إسماعيل الأزهري والمعارضة ممثلة في السيد محمد أحمد المحجوب حيث رفعا علم السودان بالوانه الثلاثة وأعلنا استكمال الاستقلال في الأول من يناير 1956م وغني الجميع فرحين مع الفنان محمد عثمان وردي (اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ موكب شعبنا )وهذه الكلمات صاغ كلماتها الخالدة الشاعر عبد الواحد عبد الله وخرج الانجليز وشاهد كل الناس ذلك القطار في محطة سكة حديد الخرطوم الذي حمل الجنود الانجليز وهم راجعون إلى بلدهم (بريطانيا) وايضا الناس رددوا مع الفنان حسن خليفة العطبراوي نشيده ذائع الصيت:
ياغريب يلا لي بلدك … يلا يلا لي بلدك
يلا لي بلدك سوق معاك ولدك لملم عددك
انتهت مددك وعلم السودان يكفي لي سندك
الحروب زالو فازو من صمدو والشباب اليوم للجهاد نهضو
طالبوا الأقطاب يوفو ما وعدو ذكرو تشرشل يحترم وعدو.
سؤال مشروع واسئلة متفرعة:

الخميس الماضي أكمل إعلان الاستقلال من داخل البرلمان سبعين عاما والأربعاء بعد القادمة كذلك يكمل استقلانا عامه السبعين ولكن يظل السؤال قائما ماذا حقق السودانيون خلال السبعين عاما التي مضت على الاستقلال؟ وتتفرع من السؤال عدد من الاسئلة المشروعة والمهمة وهي:
– اين المشروع الوطني النهضوي الذي كان يمكن للسودانيين أن يتراضوا عليه؟.
– لماذا الآن لم يتراضى السودانيون على دستور دائم للبلاد؟.
– لماذا أخفق السودانيون في رسم هويتهم الوطنية المتفق عليها بين كل السودانيين؟.
– لماذا فشل السودانيون في إدارة التعدد والتنوع الذي تذخر به بلادنا ؟.
– لماذا لم يتمكن السودانيون من تحديد شكل الدولة ونظام الحكم الأمثل للبلاد؟.
– لماذا لم يتوافق السودانيون على حسم جدلية التنازع بين المركزوالهامش وايقاف كل الحروب والنزاعات المرتبطة بذلك؟.
– لماذا أدمنت النخب السياسية والاجتماعية في السودان الفشل في ايجاد التوازن المطلوب بين الأنظمة الحاكمة والمعارضة والحريات المسئولة ومواجهة خطاب الكراهية ووضع المحددات القانونية والقيمية والاخلاقية لقبول الآخر؟.
القائد الملهم اين هو؟:
وللاجابة على السؤال المحوري والأسئلة التي تفرعت عنه فالمسالة في تقديري أن السودان يفتقد لقائد وطني ملهم يلتف حوله كل السودانيين ويتراضوا عليه وأن يكون لذلك القائد الملهم الإرادة السياسية التي تمكنه من إعادة تشكيل العقل السوداني وتحريره ليتمكن من الاجابة على ذلك السؤال المحوري والاسئلة المتفرعة منه.. ولكن يثور سؤال مهم وهو ما هي مواصفات ذلك القائد الملهم ولماذا لم تتوفر تلك المواصفات خلال السبعين عاما في أي سوداني ليضطلع بذلك الدور؟.
70عاما من الاستقلال ولكن:

ولابد من التأكيد بأن السودان ومنذ قبيل استقلاله مر بانظمة حكم في ظاهرها العام لا تخرج من ثلاثة أنواع من الحكومات.. حكومة ديمقراطية منتخبة (1953م تولت السلطة كاملة في أول يناير1956م حتي 1958- وثانية منتخبة 1964م حتى1969م وثالثة ثم عادت مجددا منذ 1983م وحتى العام 2005م حيث وقعت اتفاقىية السلام الشامل أي أن الحرب قد استمرت كل فترة الديمقراطية الثالثة من1985م حتى1989م وقد مرت الحكومات الديمقراطية الثلاث بالكثير من التعقيدات في مكونات الحكومات الائتلافية نفسها وحرب الجنوب التي استمرت طوال فترتي الديمقراقية الاولى والثانية وعدم تمكن الأحزاب في الحكومة وفي المعارضة من الممارسة الديمقراطية لأسباب بنوية داخل الأحزاب ولضعف البنية الديقراطية داخلها أما الحكومات العسكرية فكانت الاولى من 1958م إلى 1964م والثانية من1969- 1985 م والثالثة من 1989م – 2019م لعل من الملاحظ أن جملة سنوات الحكم العسكري تفوق سنوات الحكم الديمقراطي وأن الانظمة العسكرية وفرت صيغ للديمقراطية خارج منظومة الأحزاب السياسية حيث تشكلت من التنظيمات ذات الطبيعة الاحادية مثل الاتحاد الاشتراكي السوداني والمؤتمر الوطني وهذا الأخير بعد اقرار دستور 1998م و دستور2005م حسم للأحزاب السياسية من مباشرة العمل السياسي الحزبي أما الحكم العسكري الأول فقد اكتفى بالديمقراطية من تجربة المجلس المركزي حيث سمح للشخصيات الحزبية من مباشرة الحريات العامة لنقد الحكومة وتصويبها من خلال المجلس المركزي وقد اعقبت فترات الحكم العسكري فترات انتقالية مرت الأولى منها1964م – 1965م والثانية من 1985م – 1986م وقد مرت الفترتين بالسلاسة المطلوبة ولكن الفترة الثالثة التي بدأت في 11أبريل 2019م مرت بتطورات كثيرة كادت ان تدخل عامها الخامس حيث مرت اشكاليات فض اعتصام القيادة العامة وثم تشكيل الحكومة الانتقالية واعداد وإجازة الوثيقة الدستورية وتأخر قيام المؤسسات الدستورية الاخرى مثل المجلس التشريعي القومي والمجالس التشريعية الولائية والمحكمة الدستورية ثم اجراءات25 أكتوبر2021م وخروج قوى إعلان الحرية والتغيير ومفاضات واجتماعات الاتفاق الاطاري وحرب 15 أبريل 2023م الماثلة حتى الآن وما لحق بها من تطورات وأثار ومن الملاحظ أن كل السنوات السبعين من الاستقلال لم تتحقق أهدافه.
المخرج من المأزق التاريخي:

وللخروج من المأزق التاريخي والإجابة على السؤال المحوري والأسئلة المتفرعة منه لابد من دخول السودانيين في حوار جامع لايستثني أي مكون سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أوجغرافي أو فئوي أونقابي لبلورة مشروع وطني نهضوي يكون بمثابة عقد اجتماعي لكل المكونات السياسية الاجتماعية والثقافية والجغرافية الفئوية والنقابية ومن خلاله تجيب على تلك الأسئلة المتفرعة منه والمتمثلة في الهوية الوطنية وإدارة التعدد وللتنوع بعدالة وتحديد شكل الدولة ونظام الحكم الذي يناسب السودان بتعقدادته الإثنية والجغرافية والسياسة والتوافق على حسم جدلية التنازع بين المركز والهامش وإيقاف كل الحروب والنزاعات وتسويتها بالشكل النهائي وإزالة كل أسبابها التاريخية والجذرية وإتاحة الفرصة لإنتاج نخب جديدة يخرج منها قائد ملهم يلتف الناس حوله او(قيادات ملهمة في كل الضروب) تكون لديها القدرة على ابتداع خيارات حلول للواقع التأريخي السوداني المازوم.