
الذهب…تهريب أم تصدير من الخلف؟
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*نتابع هذه الأيام سلسلة من النشاطات الإقتصادية الداعمة للخزينة العامة ومن شأنها دعم خزينة الدولة في هذا التوقيت الذي تحتاج فيه البلاد لكل جنيه من وحداتها الإيرادية وأشدنا بجهود وزارة الثروة الحيوانية والسمكية بتصدير أول شحنة من الماشية للسعودية بعد تحرير الخرطوم وعزم المملكة العربية السعودية على الإستثمار في المعادن وكتبنا عن وزارة الصحة الإتحادية وهي تعيد الروح لمعظم المستشفيات بأفضل مما كانت عليه قبل الحرب وآخرها مستشفى أحمد قاسم للأطفال في جراحة القلب.
*كذلك جهود وزارة الزراعة والري والتوسع في الزراعة وتقوية وسائل الري للمزيد من توفير المساحات المزروعة…وزارة الداخلية وهي تحقق الأمن وتوفر الخدمات الخاصة بالجوازات والوثائق الأخرى من داخل الخرطوم….تلك إشراقات وجهود لإعادة الحياة لا بد من دعمها ومساندتها والطلب من الوزارات الأخرى أن تضاعف جهودها وتنفذ خططها على أرض الواقع.
*قطاعي الكهرباء والمياه خاصة في ولاية الخرطوم يشهدان تقدماً ربما أقل من الطموح وحتي المطلوب ولكن لنا أن نسأل أنفسنا أين كانت تلك الخدمات بعد الدمار الذي أصاب الخرطوم وكيف هي حالها الآن؟.
*تلك الخدمات التي يحتاجها المواطن تحتاج مبالغ كبيرة ولابد للحكومة ان تكون هي المبادرة في توفيرها بترشيد الصرف وحسن استغلال وإدارة الموارد وإحكام الرقابة على المال العام ومحاربة كل أوجه الفساد يجب عليها فعل كل ذلك قبل أن تطلب من الآخرين داخلياً أو خارجياً أعطوها أو منعوها…بالطبع هذا لا يعني ألا يساهم رجال المال والأعمال والمغتربين السودانيين في دعم الحكومة وإعادة الإعمار كما تفعل الآن دول صديقة وشقيقة كمصر والسعودية وغيرها ممن أعلنوا مساهماتهم لعمليات الإعمار.
*مناسبة هذا الحديث هو تصريح لوزير المالية وهو الجهة المسؤولة عن المال العام ومطلوب منه الترشيد والإستغلال الأمثل له فضلا عن ترتيب أولويات صرفه على المؤسسات الإيرادية لجلب المال والخدمية لتلبية إحتياجات المواطن.
*يقول وزير المالية أنه إستطاع تصدير 20 طناً من إنتاج الذهب للعام 2025م من جملة إنتاج 70 طناً لنفس العام مما يعني أن هناك 50 طناً من الذهب لعام واحد فقط هي خارج سيطرة وزارة المالية..سؤال بديهي وهو إلى متى يظل هذا الخلل الكبير قائماً في إنتاج وتصدير الذهب؟ هل عجزت سياسات الوزارة وبنك السودان عن إدخال عائدات صادرات الذهب إلى خزينة الدولة؟ وماهي العقبات الحقيقية أمام ذلك؟.
*معلوم أن 80% من النشاط الإقتصادي في معدن الذهب هو نشاط تقليدي بعيد عن دائرة رقابة الدولة إلا ربما ببعض وليس كل عائدات الصادر وذلك بسبب التهريب الخفي للذهب أو الخروج العلني للذهب وبكميات كبيرة عبر المطارات بواسطة متنفذين في الدولة سواء أكانوا أصحاب نفوذ سياسي أو إقتصادي فأين الحكومة من كل ذلك ؟ وقبل أيام تابعنا شحنة الذهب بكمية كبيرة في طريقها إلى دولة الإمارات التي مازالت تغذي التمرد وتجلب المرتزقة لقتل المواطن السوداني.
*هذه المعادلة المختلة لا بد من إصلاحها…حكومة السودان تقدم شكواها ضد الإمارات في كل أجهزة العدل الدولية ومع ذلك تغض طرفها عن أطنان الذهب التي تذهب للإمارات سراً وعلانية والحديث عن تهريب الذهب أو تصديره لدولة الإمارات لم يعد حديث مجالس أو أسراراً وإنما معلوم للعامة وبالطبع معلوم لكل أجهزة ومؤسسات الدولة.
*فإن كان فقد السودان عائدات البترول بفعل سوء الإستغلال وبعد ذلك بإنفصال الجنوب دون أن يتم توظيفه لتقوية البنيات التحتية للزراعة بشقيها النباتي والحيواني؟ فإن حدث فعلاً ذلك في سنوات خلت فالواجب ألا تكرر الحكومة نفس الأخطاء في إستغلال وترشيد عائدات الذهب بإعتبار أن المعادن كلها في لغة الإقتصاد تعتبر موارد ناضبة فالإهتمام بالزراعة والثروة الحيوانية هو صمام الأمان للإقتصاد السوداني بإعتبارها موارد متجددة وغير ناضبة وهي ولود بقدر ما نضخ فيها من مال.
*ختاما أوقفوا سيل التجاوز في استغلال الذهب بإدخال أكبر نسبة من التعدين الأهلي إلى دائرة الإقتصاد القومي ورفد الخزينة من جانب وهذا شأن أهل الإقتصاد والمتخصصين وإيقاف التهريب ومكافحة الفساد من الجانب الآخر وهذه مسؤولية الوزارة والأجهزة الأمنية والرقابية والموضوع ليس في تقديري من الصعوبة بمكان إن خلصت النية ولكنه نقص القادرين على التمام الذي ظل يلازم كثيراً معظم أجهزة الدولة الرسمية بالتهاون والتراخي في فرض هيبة الدولة وسيادة حكم القانون على الجميع.