(هكذا أراني ) للقاص حسن البطران قصة تحمل أصواتاً تتوارى خلف الصمت والهدوء
قراءة الناقد الجيبوتي – محمد عيسى محمد:
قرأت نصاً قصصياً من جنس القصة القصيرة جداً للقاص السعودي حسن علي البطران في حسابه الشخصي على الفيس بوك تحمل عنواناً ( عبء يُحمل بهدوء ) وهذا النص الجميل البديع ، يحمل في جعبته وجعا صامتا، ويجسد حالة إنسانية دقيقة تتوارى خلف الهدوء الظاهر . يبدو النص من عنوانه (عبء يحمل بهدوء) بانه ليس توصيف فحسب، ولكنه مفتاح القراءة كلها، إذ يجعلنا نغوص في اغوار شخصية تتقن الصمت كما لو كان درعا، وتحسن الانسحاب كما لو كان خلاصا مؤقتا من صخب الداخل والخارج.
في اول جملة : (هكذا أراني)، يتبدد لنا صوت ذات واعية بذاتها، لكنها محاصرة بنظرات الآخرين
إنها ترى نفسها من خلال مرآة الأسرة، لا من خلال رغباتها الخاصة بها . فالهمس الذي ينبعث من الأخت، وغضب الأم، وحدة الأب، كلها أصوات تتكاثف حول الشخصية حتى تكاد تبتلع صوتها الداخلي. كأنها تعيش داخل جوقة من الانفعالات المتضاربة، بينما هي تختار أن تبقى النغمة الخافتة.
صورة الأب وهو (يضرب بكلماته الساطورية) صورة قوية، ذات إيحاء عنيف، لكنها معنوية لا جسدية. الكلمة هنا تتحول إلى أداة قطع، إلى ساطورٍ يقطع الطموح أو يحاول بتر الأحلام قبل أن تكبر.. والصراخ: (لا تغريك تلك القصور العالية) يحمل دلالة مزدوجة، فهو من جهة يعد تحذيرا، ومن جهة أخرى اعتراف ضمني بأن لدى الابن- الابنة حلما يتجاوز المألوف
القصور لم تكن مجرد أبنية شاهقة، وانما هي رمز للارتقاء، للتمايز، وربما تكون للتمرد على سقف العائلة المحدود.
وهنا يلفت انتباهنا بأن الشخصية لا ترد، لا تجادل، لا تصرخ في المقابل. ولكنها (تنسحب بهدوء). هذا الانسحاب ليس ضعفًا بالضرورة، ولكنها قد تكون استراتيجية بقاء. فثمة أرواح تعرف أن المواجهة المباشرة ستكلفها أكثر مما تحتمل، فتختار أن تحمي ما تبقى من هشاشتها بالاختفاء المؤقت.
التشبيه: (كانسياب قطرات ماء من مكعب ثلج منصهر) من أعمق صور النص. فمكعب الثلج في حالته الصلبة يوحي بالتماسك والبرودة والقدرة على الاحتمال. لكنه حين ينصهر، لا يتحطم فجأة، وانما يذوب تدريجيا.والذوبان هنا عملية بطيئة، صامتة، غير صاخبة.. لا يسمع أحد صوت الانكسار، لأن الانكسار يحدث في هيئة سائل شفاف. كم هو موجع أن يتلاشى الإنسان بهذه الطريقة، دون ضجيج، دون انتباه.
وفي عبارة (كي لا يراني أحد حين أتلاشى) تتجلى ذروة الألم.. فالمشكلة ليست فقط في الألم ذاته، ولكنها في الرغبة في إخفائه. كأن الشخصية تخشى أن تتهم بالضعف إن ظهرت عليها علامات الذوبان، أو ربما اعتادت أن لا أحد سيلاحظ حتى لو ظهرت.وهنا يتجلى البعد النفسي العميق لهذا النص البديع، شعور بالعزلة داخل البيت، وسط أقرب الناس.
النص يلامس قضية شديدة الحساسية: عبء التوقعات العائلية. كم من شخص يحمل سنوات ليست سنواته، وأحلاما ليست أحلامه، ووصايا تلقى عليه باسم الحماية بينما هي تقص جناحيه؟ الأم الغاضبة قد تخاف، الأب الصارخ قد يقلق من السقوط، الأخت التي تهمس ربما تشفق، لكن وسط كل ذلك، تضيع الذات الأصلية.
ومع ذلك، لا يخلو النص من قوة كامنة.. فالذي يصف ذاته بدقة، ويختار صورا بلاغية بهذا الوعي، ليس كائنا مكسورا بالكامل. ثمة نار تحت الجليد. ومكعب الثلج، وإن انصهر، يعود ماء قادرا على التشكل من جديد.
ربما يكون الانسحاب مرحلة، لا نهاية. وربما يكون الهدوء ستارا يخفي إعادة ترتيب الداخل.
اللغة في النص مكثفة، مشحونة، بلا حشو. كل جملة تقوم بدور وظيفي ونفسي في آن واحد.. الإيقاع الداخلي يتناغم مع حالة الذوبان، فلا نجد انفجارا لفظيا، بل جملا قصيرة، متتابعة، كأنها أنفاس متقطعة.
في المجمل، النص شهادة على ذلك الألم النبيل الذي لا يطلب تصفيقا، ولا يثير عاصفة، وانما يكتفي بأن يحمل… بهدوء. لكنه يكرنا أيضا بأن الهدوء لا يعني الرضا، وأن الصمت لا يعني الفراغ. أحيانا يكون الصمت هو أكثر اللغات امتلاء، وأكثرها صراخا في الخفاء.
إنها قطعة قصيرة، لكنها كثيفة كقطرة ماء تختزن في شفافيّتها قصة جبل من الثلج.