آخر الأخبار

السودان أولاً… لا صوت يعلو فوق مصلحة الوطن

دكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

 

تمر الدول، في لحظات التحول الكبرى، باختبار لا يتعلق فقط بمن يحكم، وإنما بكيفية إدارة المرحلة بما يحفظ كيان الدولة ويؤسس لاستقرارها. والسودان اليوم يقف أمام أحد أخطر هذه الاختبارات؛ فبعد حرب مدمرة استهدفت مؤسسات الدولة ووحدتها الوطنية ونسيجها الاجتماعي، لم يعد مقبولاً أن تنصرف القوى السياسية إلى صراعات النفوذ بينما لا تزال الدولة تخوض معركة استعادة عافيتها.

 

 

 

 

 

المتابع للحراك السياسي الجاري يدرك أن المشهد يتجه نحو إعادة ترتيب مؤسسات الحكم، وأن لقاءات قيادة الدولة مع القوى السياسية والاجتماعية والأهلية ليست سوى جزء من عملية أوسع لإعادة بناء السلطة التنفيذية والسيادية والتشريعية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة. وليس المهم هنا من يكسب موقعاً أو يخسر آخر، وإنما أن تخرج البلاد من هذه المرحلة أكثر تماسكاً واستقراراً.

 

 

 

 

لقد كشفت التجربة السودانية، قبل الحرب وبعدها، حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن الأحزاب والتحالفات السياسية، مهما بلغ تأثيرها، لا تستطيع أن تحل محل الدولة، ولا أن تصبح بديلاً عنها. كما أثبتت أن الانقسامات داخل القوى السياسية نفسها كثيراً ما أضعفت قدرتها على التأثير، وأفقدتها ثقة قطاعات واسعة من المواطنين الذين باتوا يتطلعون، قبل أي شيء، إلى الأمن والاستقرار واستعادة الحياة الطبيعية.

 

 

 

 

ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من الواقع الراهن هو أن الشرعية السياسية لا تُقاس فقط بعدد المؤيدين داخل التحالفات، وإنما بقدرة القيادة على حماية الدولة والحفاظ على مؤسساتها وصون وحدة البلاد. فحين تتعرض الدولة لخطر وجودي، تصبح مسؤولية القيادة الأولى هي منع الانهيار، ثم الانتقال إلى إعادة البناء على أسس أكثر رسوخاً.

 

 

 

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى اصطفافات جديدة بقدر حاجته إلى توافق وطني جديد، قاعدته أن تكون مصلحة السودان فوق كل اعتبار، وأن تُقدَّم الدولة على الحزب، والوطن على الأشخاص، والمستقبل على الحسابات الآنية.

 

 

 

وهذا التوافق لا يبدأ بالشعارات، وإنما بالاتفاق على مجموعة من الثوابت الوطنية التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة أو خلاف.

 

 

 

 

أول هذه الثوابت هو الحفاظ على الأمن القومي، باعتباره المدخل الطبيعي لكل إصلاح سياسي أو اقتصادي. فلا انتخابات تُجرى في ظل الفوضى، ولا استثمار يأتي إلى بلد تغيب فيه الطمأنينة، ولا تنمية تتحقق في بيئة يهددها السلاح والانقسام.

 

 

 

 

وثانيها، حماية وحدة السودان أرضاً وشعباً، ورفض أي مشروع يؤدي إلى تقسيم البلاد أو إضعاف سيادتها أو المساس بحدودها أو مؤسساتها الوطنية.

وثالثها، ترسيخ الجبهة الداخلية، ليس بإلغاء التعدد السياسي، وإنما بإدارته في إطار من المسؤولية الوطنية، بعيداً عن خطاب التخوين والتحريض والكراهية الذي كان أحد أسباب التصدعات التي دفعت البلاد ثمناً باهظاً لها.

 

 

 

 

أما الركيزة الرابعة، فهي إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والعمل والاستثمار، لأن الاقتصاد ليس ملفاً خدمياً فحسب، بل هو أحد أهم أدوات حماية الأمن الوطني. فالدول التي تمتلك اقتصاداً قوياً تكون أكثر قدرة على حماية قرارها السياسي، وأقل عرضة للضغوط الخارجية.

 

 

 

 

ولا يقل عن ذلك أهمية بناء سياسة خارجية متوازنة، تنطلق من مبدأ بسيط وواضح: إقامة أفضل العلاقات مع جميع دول العالم، دون استثناء، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. فالسودان لا مصلحة له في صناعة الخصومات، كما لا مصلحة له في الارتهان لمحاور إقليمية أو دولية. إن قوة السياسة الخارجية تقاس بمدى استقلال القرار الوطني، وقدرة الدولة على التعامل مع الجميع من موقع الندية والاحترام.

 

 

 

 

 

وإذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تشكيل لمؤسسات الدولة، فإن نجاحها لن يُقاس بعدد الوجوه الجديدة أو القديمة، وإنما بقدرتها على تحقيق هذه الأهداف الوطنية الكبرى. فالتغيير الحقيقي ليس تغيير الأشخاص، بل تغيير طريقة التفكير وإدارة الدولة.

 

 

 

 

ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على القيادة السياسية وحدها، بل تمتد إلى الأحزاب، والقوى المجتمعية، والإعلام، والنخب الفكرية، وكل من يمتلك تأثيراً في الرأي العام. فالمعارضة الوطنية الحقيقية هي التي تعارض من أجل الإصلاح، لا من أجل الهدم، والموالاة الرشيدة هي التي تدعم ما يخدم الوطن، لا ما يخدم الأشخاص.

 

 

 

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب جديد، لا يُقسِّم المواطنين بين غالب ومغلوب، ولا يختزل الوطن في حزب أو جماعة أو فرد، بل يعيد الاعتبار لفكرة الدولة باعتبارها المظلة التي تحمي الجميع دون تمييز.

 

 

 

 

إن دعم كل ما من شأنه تعزيز الأمن، وترسيخ الاستقرار السياسي، وإنعاش الاقتصاد، وتقوية النسيج الاجتماعي، وتوسيع دائرة العلاقات الخارجية المتوازنة، ليس انحيازاً لحكومة أو لقيادة بعينها، وإنما هو انحياز صريح للسودان نفسه.

 

 

 

 

فالأشخاص يتغيرون، والحكومات تتبدل، والتحالفات تتفكك وتتشكل من جديد، أما السودان فهو الثابت الذي ينبغي أن تتجه إليه كل البوصلات.وإذا نجح السودانيون في ترسيخ هذه المعادلة، فإنهم لن يكونوا قد انتصروا في معركة سياسية فحسب، بل سيكونون قد انتصروا في معركة بناء الدولة؛ وهي المعركة التي تستحق أن تُحشد لها كل الطاقات، وأن تتقدم على كل ما عداها.