بلاغة التكرار في قصة ( شيء من قمر ) القصيرة جدًا للقاص السعودي حسن علي البطران

قراءة : الدكتوره فاطمة أحمد الزغول / الأردن
يعدّ التكرار سمة من السمات الفنية والأدبية البلاغيةالتي تعمق المعاني في النص الأدبي، وتضفي عليه لمسةموسيقية جمالية.
والتكرار حسب ما ورد في المعاجم العربية من ” كرّرهتكريرًا وتكرارًا بمعنى: أعاده مرة بعد أخرى”، وفي الاصطلاح: “هو إعادة الكلام أو الموضوع مرة أخرى في النص بقصد من الكاتب لتحقيق غرض بلاغي، أو تأكيد معنى”.
وأول ما ظهرت بلاغة التكرار وتجسدت؛ في القرآن الكريم، فكانت سرًّا من أسرار إعجازه. كما جاءت في النصوص الشعرية والأدبية القديمة، وقد وظّف الأدب الحديث بأجناسه المختلفة، هذه السمة البلاغية، واكتسىبحلّتها الجميلة.
ومن الأجناس الأدبية الحديثة التي اتخذث من التكرار اللفظي وشاحًا بلاغيًا تزدان به تنغيمًا موسيقيًا، وتسمو بهعمقًا معنويًا، القصة القصيرة جدًا، هذا الفن الأدبي الذي تكتسب فيه كل لفظة بعدًا دلاليًا عميقًا، فرغم شدة التكثيف في الألفاظ؛ نجدها تنقلنا إلى مشاهد ثرية بالدلالات والإيحاءات الرمزية، وتدهشنا بالمفارقات الصادمة المبنية على الحكائية السردية، والحدثية الفعلية.
والتكرار لا يأتي صدفة ولا عبثًا، بل لكل تكرار غاية تثير في المتلقي دافعًا للبحث والتقصّي عن أبعاد هذه الغاية، وللتكرار أشكال مختلفة، فقد يأتي التكرار في إعادة سرد الحدث القصصي في مواقع مختلفة، لإبراز جوانب إضافية متعلقة بالموضع الذي ذُكرت فيه، كما في القصص القرآني، وقد يأتي بتكرار عبارة لفظية بشكلها التام في مواضع متعددة، بغرض تأكيد المعنى، والتأثير في النفس، كما في الآية” فبأي آلاء ربكما تكذبان” من سورة الرحمن في القرآن الكريم، وقد تتكرر لفظة بأشكال مختلفة لتعمق المعنى والدلالة التي تمثلها في النص.
ومن النصوص القصصية القصيرة جدًا التي تحفلبالتكرار في ألفاظها، رغم شدة كثافتها، قصة ( شيء من قمر ) للقاص السعودي حسن البطران، المنشورة في جريدة أصداء سودانية، في عددها التاسع والستين، ملحق تفاصيل، صفحة متناثرات إبداعية، بتاريخ السبت ٩/ ١١/ ٢٠٢٤م، وفيما يلي نصها، ودراستها بمقتضى المنهج التفكيكي:
( شيء من قمر )
نظرتُ كثيرًا من بعيد،
وجدت قمرًا بعيدًا، دققتُ النظر واقتربتّ إليه؛
دققتُ أكثر فوجدتك أقرب إليّ من القمر..!
استهل القاص نصّه القصصي بجملة اسمية خبرية،تمثّل عتبة وصف جاذبة، لشيء أخذ من صفات القمر ما راقللقاص، وتقصّد القاص إضفاء صفة التشيؤ على الموصوف، ليكسبه خاصية التجسّد في الموصوف، فلا يكون مجرد شبيه بالقمر؛ وإنما جزء منه، فما هو هذا الشيء الذي أخذ من القمر بعض صفاته ليتجسد فيه؟
بنى القاص نصّه على مجموعة من الأفعال الماضية المتراتبة، والمتسارعة في الحدوث (نظرت، وجدت، دققت، واقتربت، دققت أكثر، فوجدتك)، وكل هذه الأفعال تشترك في المعنى الحدثي المبني على حاسة البصر، فقد استهلها بالنظر من بعيد، واستخدم لفظة (كثيرًا) إيحاءً منه بتكرار حدوث الفعل، ثم النتيجة الأولية للنظر وهي وجود قمر، ثم تدقيق النظر، وبعد ذلك الاقترابإلى الشيء، والتدقيق أكثر،وفي النهاية النتيجة المؤكدة والمبنية على تكرار النظر والتدقيق، لإزالة الشكوك التي قد تساور العقل فيما توصل إليه الإحساس، وهي أن الشخصية التي يحاورها السارد هي أقرب إليه من القمر بكل صفاتها التي اقتطعتها منه، فصارت لشخصية السارد شيئا من قمر.
وظّف القاص بلاغة التكرار اللفظي بصورة جسّدت عمق المعنى الوصفي الذي أراده القاص لتصوير تلك الشخصية الموصوفة، وما تمثله للشخصية الرئيسية التي تتولى سرد أحداث المشهد الحكائي، فورد التكرار في الألفاظ التالية: (قمر/ قمرًا/ القمر) وجاء هذا التكرار ليؤكدالعلاقة المتجسدة بين الشخصية المخاطبة بضمير الكاف، وبين القمر الحقيقي البعيد الذي يمثّل للإنسان الجمال والبهاء وعلوّ الشأن.
كما جاء التكرار في (نظرت/ النظر) ليؤكد على عمق المعنى، فالنظرة الأولى لا توحي بالدقة التامة، أما بعد تأكيدها بتدقيق النظر؛ فقد أصبحت أكثر دقة ووضوحًا، وهذا ما أكده تكرار (دققت/ دققت أكثر)، فالنظرة لم تكن عابرة، بل عميقة ودقيقة.
وفي الألفاظ (من بعيد/ بعيدًا) أكّد القاص على بعد النظرة الأولى، وبعد القمر الحقيقي عنه، وفي (كثير، وأكثر) يبدو تكرار المحاولة في الاقتراب والتقرب من الشخصية المخاطبة، الإلحاح في ذلك.
أما في لفظة (وجدت/ فوجدتك)، فالقاص يؤكد على الوجود الكامل، والمكانة الوجودية المتكاملة تجسيدًا وشعورًا، للشخصية المخاطبة في النص، والتي طغى وجودها على القمر الحقيقي الماثل في السماء البعيدة، فهي الأقربجسدًا وشعورًا، وهذا ما أكده تكرار (اقتربت إليه/ أقرب إليّ)، فكما هو يقترب من ذلك القمر تبادله هي الاقتراب، لتصبح أقرب إليه من ذاك القمر الماثل في البعيد، لكنها جزء منه في الجمال وإنارة الظلام وعلوّ الشأن.
فالقاص صوّر مشهدًا حدثيًا نابضًا بالجمال والإيقاع المتناغم، عبّر فيه عن عمق العلاقة الشعورية بين شخصية السارد الذي مثله بضمير المتكلم، وبين الشخصية المخاطبةالتي حاورها بضمير المخاطب، موظفًا بلاغة التكرار وجمالياته المعنوية التي جسدت عمق شعور القاص تجاه المشهد الحكائي الذي رسمه بين الشخصيتين الماثلتين في القصة.
ويبدو القاص متأثرًا بأبيات الشاعر: ابن العميد (ت. ٩٧٠م) التي ورد فيها التكرار ليعطي معنى بلاغيًا مشابهًا للمعنى الذي عكسته قصة البطران، وهذه الأبيات يقول فيها الشاعر:
قامت تظللني من الشمس نفس أحبّ إليّ من نفسي
قامت تظللني ومن عجبٍ شمسٌ تظللني من الشمس
فالشاعر في هاذين البيتين كرر الألفاظ (قامت/ قامت، تظللني/ تظللني/ تظللني، الشمس/ الشمس/ شمس، نفس/ نفسي) ليؤكد على أن الشخصية الأنثوية التي يصورها في الأبيات، تتجسد بجمالها وقربها إليه، ومحبته لها، بالشمسالحقيقية الماثلة في سماء الشاعر.
فالتكرار في الأبيات السابقة، أدى وظيفة بلاغية تشابه في بعدها الدلالي، ما أداه التكرار في قصة البطرانالقصيرة جدًا السالفة الذكر، التي عرض فيها مشهدًا مليئًا بالحركة والشاعرية، والتعبير عن صدق المشاعر.