آخر الأخبار

الدراما الجيدة ودورها في المجتمع

قراءة في : المسلسل المصري «ولادالشمس» إنموذجًا

 

 

‎ فاتن محمد علي / صحفية وناقدة مصرية

 

‎الفن هو مرآة تعكس واقع المجتمعات، وأداة تعبيرية تسهمفي تشكيل الوعي الجماعي وتحفيز التفكير النقدي. فمنخلال مختلف أشكاله، سواء كان تشكيليًا، موسيقيًا، أدبيًا أو دراميًا، يستطيع الفن أن ينقل رسائل عميقة، تؤثر في الأفراد وتدفعهم للتأمل والتغيير. وتعد الدراما منأبرز الفنون التي تلعب دورًا حيويًا في تناول القضاياالاجتماعية، إذ تسلط الضوء على المشكلات والتحدياتالتي تواجه المجتمع، مما يسهم في إذكاء الحوار وفتحنوافذ الأمل والتغيير.

‎وقد برزت بعض الأعمال الدرامية في قدرتها على معالجةهموم المجتمع بطرح صادق وجريء، مستخدمة السردالبصري والتمثيل المؤثر لإيصال رسائلها بعمق. ومن بينهذه الأعمال، يبرز مسلسل [ولاد الشمس] كنموذج درامياستطاع أن يجمع بين الإبداع الفني والطرح الواعي، مايجعله جديرًا بالنقد والتحليل، سواء من حيث نقاط القوةالتي منحته تأثيرًا واسعًا أو بعض الجوانب التي قد تحتاجإلى تطوير.

‎المسلسل يطرح قضية من أخطر القضايا التي تعاني منهاالشعوب التي تعيش في مجتمعات موسومة بالدستوبيا، حيث تحكمها سلطات طاغية ترى أن “الثالوث الكارثي” (الفقر، الجهل، والمرض) هو الأداة الأمثل لإحكام سيطرتهاوسلاسة حكمها.

‎هذه السلطة تمارس التنكيل بالثوار، وتشيع الفتنة بينهملتحكم وفق مبدأ “فرّق تَسُد”.

‎تدور أحداث المسلسل حول قصة بسيطة في ظاهرها، إذتبدو للمتلقي العادي حكاية عن دار للأيتام يسيطر عليهرجل ظالم لا يخشى الله فيهم، فلا يوفر لهم الرعاية الصحيةأو الفكرية، بل يستغلهم في أعمال غير قانونية. ومن بينهؤلاء الأيتام، يظهر مجموعة من الشباب يتمردون عليهمحاولين التصدي لظلمه وإنقاذ الأطفال الأيتام الضعفاء. لكنه يستخدم قوته، المتمثلة في أتباعه من البلطجية، لقمعهموكسر شوكتهم.

‎في الحقيقة، المسلسل يقدم إسقاطًا صريحًا للواقعالديستوبي الذي نعيشه، والذي تعيشه أغلب شعوب وطنناالعربي. فهو يعكس نماذج اجتماعية واضحة، تتجسد في:

‎السلطة الحاكمة الظالمة، المتمثلة في رئيس الدار.

‎المجتمع الضعيف العاجز عن المقاومة، الذي لا يطمح سوىإلى لقمة العيش والتعليم والصحة، ممثلًا في الأطفالالأيتام.

‎فئة الموظفين الموالين للسلطة، الذين يخضعون لها عن جهل، ويرون في الحاكم “الأب الحنون”، مثل شخصية عبيد، اليداليمنى للحاكم.

‎الفئة التي تعي الحقيقة لكنها تفتقد الإرادة، ممثلة فيشخصية أمينة.

‎وأخيرًا، الثوار الساعون إلى التغيير، مثل شخصيات ولعة، مفتاح، وقطايف.

‎جاء السيناريو ليجسد هذه الشرائح بوضوح شديد، مستخدمًا رموزًا جلية كالشمس، ليسلط الضوء علىالقضية المحورية: السلطة الأبوية الظالمة، التي لا تتوانى عنارتكاب أي جريمة للحفاظ على حكمها، حتى لو كان الثمنقتل الأبرياء. وهذا واقع نعيشه؛ حيث تمتلئ السجونبالثوار، منهم من يقضي نحبه قهرًا، ومنهم من يُقتل، تمامًاكما فعل “ماجد”، الحاكم الطاغية، عندما قتل “قطايف”، أحد الثوار.

‎لم يكتفِ السيناريو بطرح هذه الشرائح، بل تعمق في تحليلسلوكها وكشف نواياها ووسائل تحقيق أهدافها. فعلىسبيل المثال، حين نجح الثوار في الإطاحة بالحاكم الظالم، وجدوا أنفسهم عاجزين عن تنفيذ رؤيتهم الإصلاحيةلافتقارهم الأدوات اللازمة، مما اضطرهم إلى اللجوء إلىالوسائل غير المشروعة نفسها، تحت مبدأ “الضروراتتبيح المحظورات”.

‎إلى هذا الحد، كان السيناريو يخدم القضية العامةبوضوح. لكن يبدو أن كاتبه أراد التخفيف من حدة الطرحالسياسي، ربما لتجنب العواقب التي قد تصل إلى السجنكما اعتدنا في بلادنا، فاختار إنهاء القصة بمسار دراميآخر، مثل عثور “ولعة” على أمه، وإضافة بعض التفاصيلالجانبية التي تخفف من حدة الرسالة.

‎أحيي كاتب السيناريو وفريق العمل القائم على هذاالمسلسل، خاصة إذا كانوا مدركين لرسالتهم الواضحة التيلا تحتمل التأويل .