النافذة التي سوف تُغلق
قصة قصيرة

نايف مهدي / الطائف
الوجوه التي كان يألفها، تسربت بينه وبينها غربةٌ لا مُبرر لها ولا يستوعبها عقل، تشبه إلى حدٍّ ما رجلًا سليمًا معافىً نامَ في صحراء قاحلة وحين صحا وجد رجله مكسورة! حتى زوجته الفاتنة حاصرَ جسدها بالثياب اللاصقة والقصيرة التي تُفجّر بارودَ الغرائز بامتياز، ولكنه وجد حركاتها الأنثوية وهي تزحف على جلده كمَن يعبُّ الماءَ الأجاج بعد التعب والإعياء.
حتى أطفاله الذين كانوا يتعلقون في يديه كالثمار الناضجة حين يلج من باب الشقة، أصبحوا ينظرون بريبةٍ إلى بعضهم البعض قبل أن يأخذوا طريقهم إليه، فيغنمون شيئًا من رائحته وملامسةً طفيفة من جسده، ولكن سرعان ما يرسلهم إلى أمهم وهم لم يتخلصوا بعدُ من لهاث الركض إليه. لقد اندلعت برودةٌ تفصم القلب بينه وبين الإحساس بوجوده، إنه يشعر أنه ظِلٌ ضئيلٌ تتحاشاه شمسُ الأيام وتلطخ الليالي ما تبقى له من بياض. خرجَ مرةً تحت سماء الليل والنجوم تتجاور كالخرز المنثور فحسد علوها، ولمّا رأى القمر بازغًا قال: “إني سقيم!” وبقدمه، سحق السيجارة التي لم يرقه طعمها، وتذكر أنه غدًا سوف يكمل الأربعين، وهبَّ عائدًا إلى فِراشه وطوّقه بالعديد من الملاحف الثقيلة؛ حتى حين يصحو وهو يرتعش من برد البِشارة يجد له ما يزمّل به نفسه.