أوروبا تُصدر (أسلحة الموت) إلى السودان عبر بوابة الإمارات
متابعات – أصداء سودانية
في هذا الجزء الأخير من تحقيقنا المعمق الذي اعده: كونتان بيشار وإليتسا غاديفا حول وجود قذائف هاون ذات منشأ أوروبي في السودان، نغوص في الأنشطة الحالية لشركة إنترناشونال غولدن غروب الإماراتية، التي تقف وراء نقل هذه القذائف.
وعلى الرغم من أن هذه الشركة الإماراتية ومؤسستها الأم، شركة إيدج غروب الإماراتية ضالعة في عدة ملفات، لتحويل وجهة أسلحة، موثقة في تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية، فإن عدة شركات فرنسية تواصل، حتى وقت قريب، توقيع عقود شراكة مع هذه الشركات.
تكثيف شراكات الموت
على الرغم من عدة ملفات موثقة لعملية تحويل وجهة أسلحة باعتها أو صنعتها هذه الشركات، كثفت شركتا إنترناشونال غولدن غروب International Golden Group وإدج غروب و Edge Group من الشراكات الضخمة مع عمالقة صناعة الأسلحة في أوروبا وفرنسا.
في الجزء السابق من سلسلة التحقيق المعمق: أوضحنا التداعيات المميتة لتوريد قذائف هاون إلى السودان على غرار تلك المصنعة في بلغاريا وتم تصويرها من قبل مقاتلين سودانيين في يوم 21 نوفمبر 2024. فقد تم استخدام هذه الأسلحة باستمرار من قبل أطراف الحرب الأهلية المستمرة في السودان لاستهداف المدنيين بشكل مباشر.
وتقصف ميليشيا الدعم السريع باستمرار سكان مخيم نازحين في دارفور بهذه القذائف ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.
على الرغم من أن صفقة شراء هذه الأسلحة التي سمحت بوصول القذائف بلغارية الصنع إلى أرض السودان، تمت في سنة 2019، إلا أنه لا وجود لأي دليل يسمح بمعرفة أن هذه الشركة توقفت عن ذلك في وقت لاحق.
واتصل فريق تحرير مراقبون فرانس24 بشركة دوناريت لمعرفة ما إذا كانت قد وقعت عقودا أخرى من نفس النوع مع شركة إنترناشونال غروب، فإن الشركة البلغارية رفضت تقديم المزيد من المعلومات. فيما لم ترد الشركة الإماراتية على أسئلتنا.

نشاط وتمويل إماراتي
إن كان هناك شيء مؤكد فهو أن شركة إنترناشونال غولدن غروب تواصل نشاطها المكثف في الإمارات العربية المتحدة ولكن أيضا على المستوى الدولي.
وتم شراء هذه الشركة المختصة في التزود بالقذائف والخدمات الأمنية من قبل شركة إدج غروب Edge group في شهر يناير 2024، وهي تجمع شركات متخصصة في الدفاع تمولها الدولة الإماراتية.
عملية الاستحواذ عليها بقليل، وسعت شركة إنترناشونال غولدن غروب من شراكاتها خصوصا مع الشركات الفرنسية: ففي شهر فبراير 2023، دخلت الشركة الإماراتية في شراكة مع فرع مشترك من الشركة الفرنسية المتخصصة في الدفاع “سافران Safran”.
والهدف من هذه الشراكة وفق مؤسسة “سافران” هو تطوير تكنولوجيا الإبحار والمناظير العسكرية لـ”توفير حاجيات وزارة الدفاع الإماراتية وهيئات أخرى محلية. ويتم كل ذلك في مقرات شركة إنترناشونال غولدن غروب وبقيادة “البرنامج الاقتصادي توازن” وهو صندوق عام في الإمارات مخصص لصناعات الدفاع.
وزار رئيس الفرع المذكور عن شركة سافران هذه المقرات الجديدة في يوم 13 فبراير 2025، أي قبل وقت قصير من افتتاح أكبر معرض تسلح في الإمارات “آيدكس” الذي شاركت فيها الشركة الفرنسية.
استعجال توقيع العقود
من شركة إيندرا الإسبانية إلى شركة ليوناردو الإيطالية، كانت نسخة معرض آيدكس للتسلح في هذا العام والتي جرت بين يومي 17 و21 فبراير 2025 في الحقيقة، فرصة لشركات الدفاع الأوروبية التي يبدو أنها كانت تستعجل توقيع عقود مع شركة إنترناشونال غولدن غروب أو مع شركتها الأم الجديدة إيدج غروب. إذ أن هذه الأخيرة هي إحدى “الشركاء الاستراتيجيين” لمعرض آيدكس، وفق ما ذكرته عبر موقعها الإلكتروني.
من جهته، أوضح توني فورتن من مرصد التسلح، وهي منظمة مختصة في جمع المعلومات في مجال التسلح والفاعلين فيه، قائلا: الهدف من هذه الشراكات الكبرى بالنسبة إلى الإماراتيين هو مشاركة الكفاءات. وستمكن هذه الكفاءات دولة الإمارات من إنتاج عتادها العسكري بنفسها، وبالتالي بناء جهازها الدفاعي. ويتعلق الأمر بمقابل للصادرات الأوروبية من الأسلحة لهذه الدولة التي تعد مهمة جدا.

أكبر صفقة ذخائر
صفقات كبيرة كالعادة لشركتي إنترناشونال غولدن غروب وإيدج غروب خلال معرض آيدكس للأسلحة 2025، كما أن شركة إنترناشونال غولدن غروب حصلت على أحد أكبر العقود خلال معرض آيدكس لتزويد الجيش الإماراتي بالذخائر مقابل مبلغ يصل إلى 179 مليون يورو.
وفي إطار صفقات مماثلة لتزويد الأسلحة التي قيل إنها موجهة للجيش الإماراتي، تمكنت شركة إنترناشونال غولدن غروب من تصدير الأسلحة إلى ليبيا، وهو ما وثقته تقارير مجمع الخبراء حول ليبيا التابع للأمم المتحدة.
ولا يوجد أي دليل يثبت حصول عملية نقل لمجمل التكنولوجيات والتجهيزات التي حصلت عليها شركة إنترناشونال غولدن غروب، عبر شراكات مع مجموعات أوروبية، إلى السودان في وقت لاحق لمساعدة ميليشيا الدعم السريع.
إلا أن عمليات تحويل وجهة أسلحة من هذه النوع، من قبل شركة معروفة بانتهاكها عدة مرات لقرارات دولية لحظر تصدير الأسلحة، لن يكون بالأمر الجديد.
وكشف تحقيق نشرته منظمة العفو الدولية في شهر نوفمبر 2024، بأن أنظمة دفاعية للعربات العسكرية صنعتها شركات فرنسية تم العثور عليها في السودان، فوق العربات المدرعة التي استخدمتها ميليشيا الدعم السريع.

الميليشيا والمدرعة (نمر)
على هذه الصورة المأخوذة من تقرير لمنظمة العفو الدولية، يمكن لنا أن نرى عربة عسكرية مدرعة تسير في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، وهي من طراز “نمر” من تصنيع شركة إيدج غروب الإماراتية، وكانت مجهزة بنظام الدفاع “غاليكس GALIX” الذي صنعت شركة “كي إن دي إس فرانس KNDS France” وقامت بتصديره شركة “لاكروا ديفنس Lacroix Défense” وهما شركتان فرنسيتان.
المسؤولة عن هذا النقل هي شركة إيدج غروب الإماراتية، التي تتولى أيضاً تصنيع طراز العربات المدرعة التي وُجدت عليها أنظمة الدفاع الفرنسية، وهي الشركة الأم لمؤسسة إنترناشونال غولدن غروب. وتم تطوير هذه الأنظمة من قبل شركتي “لاكروا ديفنس Lacroix Défense” و “”كي إن دي إس فرانس KNDS France”” الفرنسيتين.
وفي اتصال مع فريق تحرير مراقبون فرانس24 بخصوص ما ورد في تحقيق منظمة العفو الدولية، أكدت شركة “لاكروا ديفنس” بأنها “زودت القوات المسلحة الإماراتية بأنظمة الدفاع الذاتي من طراز غاليكس”.
وأضافت المجموعة الفرنسية: “تم نقل هذه التجهيزات في إطار الاحترام التام لتراخيص التصدير التي حصلت عليها شركة لاكروا مع شهادات بعدم إعادة التصدير”.
المستخدم النهائي للسلاح
كما أصرت شركة لاكروا أيضا على الإشارة أن أنظمة غاليكس “هي حل دفاع ذاتي سلبي” ولا يحمل أي صبغة هجومية، ولم تجب الشركة عن سؤالنا الذي سعى لمعرفة ما إذا طلب الطرف الإماراتي ترخيصا لتصدير هذه الأنظمة الدفاعية إلى السودان.
أما شركة “كي إن دي إس فرانس KNDS France”، فتؤكد من جهتها أنها “لم تكن الطرف المصدر ولم تقم إلا بعملية بيع في فرنسا لصالح شركة لا كروا. وفي هذا الصدد، لم تكن شركة “كي إن دي إس فرانس”، تعلم بـ”المستخدم النهائي خلال تمرير هذه الطلبية أو خلال نقلها”.
وعلى الرغم مما سبق ذكره، كانت شركة “كي إن دي إس فرانس KNDS France” حاضرة في معرض آيدكس 2025. وعرضت الشركة التي تملك الدولة الفرنسية 50% من أسهمها صورا لمشاركتها في المعرض وزيارات مسؤولين رسميين في الحكومة الفرنسية مثل وزير الجيوش سيباستيان ليكورنو. إلى جانب جناح شركة “كي إن دي إس فرانس”، كان جناح آخر يعرض عربات مدرعة من طراز “نمر” من تصنيع شركة إيدج غروب الإماراتية.
على هذه الصورة التي نشرت في الصفحة الرسمية لشركة “كي إن دي إس فرانس KNDS France” على منصة لينكد إين خلال بداية معرض آيدكس للتسلح 2025، يمكن لنا أن نرى وزير الجيوش الفرنسية سيباستيان ليكورنو أثناء زيارته لجناح الشركة خلال هذا الحدث. وعرض الجناح بالخصوص مدفع “سيزار” ودبابة “ليكليرك” وهو من بين أهم منتجات هذا المصنع الفرنسي.
على هذا المقطع الدعائي لمعرض آيدكس 2025 للتسلح، يمكن لنا أن نرى الجناح الملاصق لجناح شركة “كي إن دي إس فرانس” وهو يعرض عربات مدرعة من طراز “نمر” من تصنيع شركة إيدج غروب الإماراتية: وهي نفس نوعية العربات التي كشف تحقيق منظمة العفو الدولية بأنه تم نقلها إلى السودان وفوق سقفها وُجدت أنظمة دفاع فرنسية من طراز “غاليكس”.
“ترفض بعض المجموعات التعاون مع مؤسسة إنترناشونال غولدن غروب، فكيف تفعل الشركات الفرنسية ذلك؟”.
علاقة قديمة وعميقة
هنا، يذكر الخبير في مرصد التسلح توني فورتين، وهي منظمة مختصة في جمع المعلومات في مجال التسلح والفاعلين فيه، بأن العلاقات التي تربط بين شركات التصنيع الدفاعي الفرنسية والإمارات العربية المتحدة قديمة وعميقة، ويضيف قائلا: يجب أن يكون في علمنا أنه، في سنة 2011، كان 70% من العتاد (العسكري) المستخدم في الإمارات العربية المتحدة من صنع فرنسي. وتم ذلك عبر عدد كبير من الشراكات، ففي تسعينيات القرن الماضي، تم بيع تكنولوجيات بحرية بعد أن اشترت الإمارات العربية المتحدة عدة مواقع تصنيع فرنسية. ومن ثم تم بيع تكنولوجيات أقمار اصطناعية أو اتصالات.
وكانت شركة “إيديك EDIC”، الاسم السابق لشركة إيدج غروب، تدار من قبل لوك فونيرون، وهو الرئيس والمدير العام السابق لشركة تاليس. لقد سمحت فرنسا بالفعل للإمارات بالحصول على قدراتها الحالية لتصنيع الأسلحة.
سياسة الإمارات تجاه بعض الدول مثل اليمن والسودان والصومال موثقة عبر تقارير خبراء في الأمم المتحدة، على سبيل المثال. نعلم اليوم بأن بعض مجموعات صناعة الدفاع الدولية ترفض التعاون مع شركة إنترناشونال غولدن غروب أو إيدج غروب. كيف يمكن للشركات الفرنسية أن تفعل ذلك؟ يجب على هذه الشركات أن تقدم توضيحات.
وفي اتصالات مع فريق تحرير مراقبون فرانس24، فإن كل الشركات الأوروبية والفرنسية المذكورة في هذا المقال أكدت بأنها تمارس أنشطتها وفق الضوابط المحلية والدولية التي تخص منتجاتها. ونشر فريق التحرير نص أجوبة هذه الشركات عندما تضمنت توضيحات دقيقة حول المعطيات المذكورة.