
مصر التي في خاطري والسودان في قلوبنا جميعًا… ثوابت لا تهزّها الحروب
عمرو خان
*مصر التي في خاطري وفي دمي على هذه الكلمات نشأتُ، ونشأ معي ملايين من أبناء الشعب المصري الكريم الأصيل فمصر، كما قال القديس الراحل البابا شنودة الثالث، تسكن فينا قبل أن نسكن فيها.. لم تكن مصر يومًا مجرد مساحة جغرافية يحدّها بحر من الشمال، أو تحيط بها دول جوار من الشرق والغرب، بل هي كيان أكبر من الجغرافيا، وأصدق حضورًا من التاريخ، وسابقة على العصور والأزمنة.
*كم تمنّيت أن آخذ الأصدقاء من مختلف دول العالم، ممن عرفتهم وعرفوني، في جولة داخل عقول وقلوب المصريين، ليروا كيف تعيش مصر في داخلهم، وكيف يُحبّونها ويُقدّسون وجودها في قلب الشرق والجنوب، لا بوصفها دولة فقط، بل باعتبارها معنىً وملاذًا ومسؤولية.
*لقد علّمتنا مصر أن نميل على أشقائنا، وأن نفتح لهم صدورنا قبل حدودنا، وأن نقدّم الودّ والاحترام والترحاب لكل من قصدها باحثًا عن أمان أو كرامة. وشهد التاريخ القريب دلائل لا تُحصى على ذلك: موقفها الثابت مع أشقائنا في الكويت إبّان الغزو العراقي، واحتضانها للعراقيين خلال الغزو الأمريكي، وفتح أبوابها لليبيين واليمنيين والسوريين خلال موجات ما سُمّي بالربيع العربي. لكن كل هذا شيء، ووجود أشقائنا من السودان العظيم بين أحضان القاهرة شيء آخر تمامًا، اختلافًا في الشكل والمعنى والمضمون.
*فالسودان بالنسبة لمصر ليس جارًا فحسب، ومصر بالنسبة للسودان ليست ملاذًا مؤقتًا.. إنهما تاريخ واحد تشقّق جسده إلى دولتين، ومصير واحد تتداخل فيه مياه النيل بدماء الذاكرة، وأمن لا يقبل القسمة أو التجزئة.
*من هنا جاء بيان رئاسة جمهورية مصر العربية عقب زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ليعبّر عن هذه العلاقة بوصفها ثابتًا استراتيجيًا لا يخضع للمناورات ولا للقراءات السطحية.. بيان لم يتعامل مع السودان كملف خارجي، بل كامتداد مباشر للأمن القومي المصري، مؤكّدًا أن أمن السودان واستقراره وسلامة شعبه ووحدة أراضيه تشكّل خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها.
*لقد حمل البيان رسالة واضحة لا لبس فيها: مصر ترفض بشكل قاطع أي محاولات لتمزيق السودان، أو دفعه نحو سيناريوهات التقسيم، أو تحويل أراضيه إلى مسرح للميليشيات أو المرتزقة أو شبكات المصالح العابرة للحدود. فتفكيك السودان لا يهدد الخرطوم وحدها، بل يفتح أبواب الفوضى على وادي النيل والبحر الأحمر والإقليم بأسره.
*وفي الوقت ذاته، انحاز البيان بوضوح إلى الإنسان السوداني، مؤكدًا أن سلامة الشعب السوداني وحقه في الأمن والحياة الكريمة يسبقان أي حسابات سياسية أو صفقات مرحلية. وهو انحياز يعكس جوهر الرؤية المصرية: دولة سودانية موحّدة، ذات سيادة، بجيش وطني واحد، ومؤسسات قادرة على حماية البلاد من الانزلاق إلى فوضى السلاح وتعدد مراكز القوة.
*هكذا، لم يكن البيان مجرد صيغة دبلوماسية عقب زيارة رسمية، بل كان تعبيرًا صريحًا عن تلك “المصر” التي تسكن الوجدان قبل القصور، وتتحرك من منطق الدولة التي تعرف وزنها التاريخي، وتدرك أن الدفاع عن السودان هو، في جوهره، دفاع عن نفسها، وعن فكرة الدولة الوطنية في زمن تتكاثر فيه مشاريع التفتيت والانهيار.
*إنها مصر التي في خاطري وفي دمي… حين يصبح السودان ليس قضية سياسة فقط، بل قضية قلب،
ومصير، وأمن لا يقبل المساومة
*كاتب صحفي مصري