مصر والسودان واستراتيجية العلاقات الأزلية والتاريخية
- تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك… العودة للمسارات الاستراتيجية الصحيحة
- العودة لمربع اتفاقية الدفاع المشترك انتصار لتاريخ مضى ووعي بتحديات حاضر واستشراف بأفق المستقبل
- تصريحات الرئاسة المصرية بعد زيارة البرهان رسالة إلى مليشيا الدعم السريع المتمردة وحلفاء الداخل الظاهرين والمستترين
- مصر والسودان بينهما مشتركات المساس بها من الغير إنتحار وإن تعلق باسوار (البيت الأبيض)
تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
بدأ واضحا أن البيان الذي اصدرته رئاسة الجمهورية المصرية عقب زيارة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة للقاهرة نهاية الاسبوع الماضي والالتقاء بالرئيس المصري المشير عبد الفتاح السيسي سيكون له ما بعده من تاثيرات ايجابية على المشهد السياسي والعسكري الذي خلفته حرب 15 أبريل 2023م الماثلة الآن والتي قادتها مليشيا الدعم السريع المتمردة على شرعية الدولة التي كانت جزءا منها ويبدو أن رئاسة الجمهورية المصرية في ذلك البيان المهم قد ارادت أن ترسل عدد من الرسائل لأكثر من جهة وقد تمثلت هذه الرسائل في مجملها بعدد من الخطوط الحمراء تجاه السودان الذي لن تسمح القاهرة لأي جهة مهما كانت ان تمسه.
التذكير بالمسار الاستراتيجي:
أول ما رمى إليه بيان رئاسة الجمهورية المصرية هو التذكير بالمسار الاستراتيجي للعلاقات المصرية السودانية والتي توصف بالأزلية والتاريخية وهذا الوصف ربما يعتبره الكثير من الناس أنه مجرد وصف يردد ولكن الأمر ان هذه العلاقات متجذرة وعتيقة وحتى قيام ثورة 23 يوليو 1952م والتي انقلب فيها تتظيم الضباط الأحرار بقيادة اللواء محمد نجيب (الرئيس الشرفي للتنظيم) و(البكباشي جمال عبدالناصر) على الملكية والتي آخر ملوكها هو الملك فاروق والذي كانت صفته حتى لحظة الانقلاب عليه هي( ملك مصر والسودان ) وهذا أقوى دليل على ازلية وتاريخية تلك العلاقة حيث كان تيار استمرار الاتحاد مع مصر والذي كانت تقوده الحركة الاتحادية بقيادة الحزب الوطني الاتحادي أقوى من تيار الاستقلال عنها والذي كان يقوده تيار الحركة الاستقلالية بقيادة حزب الأمة ولكن تبنى الزعيم الراحل إسماعيل الازهري لاعلان الاستقلال من داخل البرلمان بشكل مباغت ومفاجئ أصاب تلك الوحدة بين البلدين (في مقتل) والتي كانت هي الاقرب وهذا الأمر وبرغم المبررات التي كتبت فيه إلا أنه يحتاج إلى دراسة متعمقة تسبر فيها أغوار هذا التحول العظيم والمفاجئ الذي حدث والذي تحول فيه الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري 360 درجة حيث تحول عن اتجاه حركة الاتحاد مع مصر وهو من رواد الحركة الاتحادية بل من كبار زعمائها إلى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م والذي اقترحه النائب عبدالرحمن دبكة عن دائرة البقارة نيالا الغربية (عدالغنم) والتي أصبح اسمها الآن (عد الفرسان) وقام بتثنية الاقتراح النائب جمعة سهل عن دائرة المزروب بشمال كردفان.
اتفاقية الدفاع المشترك:

التذكير بالمسار الاستراتيجي للعلاقات المصرية السودانية الذي تبناه بيان رئاسة الجمهورية المصرية أعاد الحديث عن اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين مصر والسودان والتي وقعت بالاسكندرية في 15 يوليو 1976م (لاحظ أن التوقيع قد تم بعد أقل من اسبوعين لحركة المقدم حسن حسين المدعومة من النظام الليبي وقتها بقيادة الرئيس معمر القذافي الذي مول غزو السودان بواسطة مجموعات مسلحة سودانية حيث تلقت تدريبا عسكريا في الأراضي الليبية.. التوقيع تم بين البلدين أيام عهد الرئسين الراحلين المصري محمد أنور السادات والسوداني جعفر محمد نميري والتي كانت ابرز معالمها هي:
– تنسيق جهود البلدين في تأمين و حماية سلامتهما وأمنهما وتعزيز قدراتهما الدفاعية إزاء التحديات التي تواجه الأمة العربية في سبيل تحرير الأرض واسترداد الحق المغتصب.
– تعميق التعاون المشترك (خاصة التعاون الاقتصادي ) على هدى منهاج العمل السياسي والاقتصادي الموقع بين البلدين في فبراير 1974م.
وقد تمت المصادقة على اتفاقية الدفاع المشترك بواسطة الاجهزة التشريعية في البلدين وأصبحت نافذة.
القاهرة تسمي الأشياء باسمائها:

إن بيان رئاسة الجمهورية المصرية وضع النقاط على الحروف وسمى الأشياء باسمائها ذلك لأن الوضع الذي خلفته حرب 15 أبريل 2023م في السودان والماثلة حتى الآن اثارها المادية والاجتماعية والمعنوية جعلت الاوضاع في السودان بالغة التعقيد ليس على الصعيد الإنساني والاجتماعي والاقتصادي فحسب بل لحقت بالجوانب السياسية الماسة بالأمن القومي السوداني والوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي السوداني.. حيث برزت من خلال الحرب وحالة الاصطفاف القبلي الذي جذبته مليشيا الدعم السريع إلى صفها عن طريق الترغيب والترهيب او الاثنين معا (سياسة الجزرة والعصا) مما أدى لتنامي خطاب الكراهية بل زاد تطرفا وغلوا حيث جاءت المناداة بقيام حكومة موازية بدأت تباشر عملها من مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور برغم إنها لم تجد أي شكل من اشكال الاعتراف الاقليمي أو الدولي إلا أن جمهورية مصر العربية قالت إن أي اتجاه مثل ذلك يعتبر مهددا لوحدة السودان.
حزمة الخطوط الحمراء:
لأن بيان الرئاسة المصرية سمى الاشياء باسمائها فقد أكد أن حزمة الخطوط الحمراء التي تعتبرها القاهرة لا تقبل المواقف الرمادية لذلك جاء الحديث عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر وهما الدولتين الشقيقتين اللتين بينهما مشتركات مجرد المساس بها من الغير (من الدول) يعتبر انتحارا وان تعلق ب(أسوار البيت الأبيض الامريكي) والذي تحاول دولة الإمارات العربية المتحدة المساس بهذه المشتركات المصرية السودانية ولعل أبرز ذلك تمثل في الآتي:

– المساس بمسالة مياة النيل والمحددات الفنية والقانونية المشتركة والتي حشرت ابوظبي نفسها فيها دون أي مسوغ قانوني حيث وقفت ودفعت (اثيوبيا أبي أحمد) إلى التصلب في معالجة بعض الآثار الفنية الخاصة بتشييد وتشغيل سد النهضة الاثيوبي حيث تتضرر المصالح المصرية والسودانية وبذلك تكون ابوظبي قد جيرت الأمر لمصلحة دولة الكيان الصهيوني (اسرائيل) والتي تعتبر الامارات الوكيل الوحيد لها في المنطقة إذ أن قيام دولة الامارات في الأصل هو تحقيق لحلم رئيسة وزراء إسرائيل التي قالت في مذكراتها في جزئية الحديث عن حرب 5 يونيو (حيزران)1967م (الآن هزمنا العرب وربما نخوض معهم حربا أخرى قد ننتصر أو لا ننتصر فيها ولكننا نحلم بقيام دولة في قلب الأمة العربية حتى يسهل لنا تمرير سياساتنا في الشرق الاوسط وافريقيا).
– أمن البحر الأحمر باعتباره المرفا الاستراتيجي الدولي لمصر والسودان خط أحمر وأي اختراق أمني له يعني تهديد للقاهرة والخرطوم والاشارة هنا ايضا واضحة لدولة الإمارات العربية المتحدة والتي تمددت من خلال استراتيجتها في البحر الأحمر ودول الساحل الافريقي فيه حيث تسعى لقيام موانئ شرعت في صياغتها مع الحكومة الانتقالية أيام حكومة دكتور عبدالله ادم حمدوك 2019م- 2021م حيث وقعت على إنشاء ميناء ابو عمامة في شريط الدولة الساحلية لجمهورية السودان كما تسعى للتمدد لدول القرن الافريقي بل حتى بقية دول أفريقيا جنوب الصحراء.
الخلاصة المهمة:
الخلاصة المهمة في بيان رئاسة الجمهورية المصرية على خلفية زيارة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى مصر نهاية الاسبوع الماضي علاوة على تسمية أشياء المخاطر المحدقة بالسودان باسمائها أن العودة لتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة منذ سبعينيات القرن الماضي تعني انتصار لتاريخ مضى ووعي بتحديات حاضر ماثل واستشراف بأفق استراتيجي للمستقبل كما إنها في ذات الوقت مثلت رسالة قوية لدولة الإمارات العربية المتحدة بأن لا تلعب بالنار في مشتركات الأمن القومي لمصر والسودان لأن أي تهديد لأي من الدولتين يعني تهديد للأخرى مما يستدعي استخدام آليات اتفاقية الدفاع المشترك.. كما أن البيان أرسل رسالة قوية لمليشيا الدعم السريع ومؤيديها الظاهرين والمستترين والرسالة إذا فككوها بمعناها الصحيح أن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك تعني (أي تهديد للسودان هو تهديد لمصر ومصر لن تسمح بتجاوز الخطوط الحمراء) وكأن الرئاسة المصرية أرادت القول (إني افتح عيني على كثير حين افتحها وما علينا إذا لم تفهم البقر).