حكاية الطفل آواب.. الذي إصطاد بـ(نبلة) أسرع صقر في العالم
- قناة الجزيرة تبث توثيقا نادرا لمراسل (أصداء سودانية) بالولاية الشمالية
- إصطاد صقر الشاهين النادر الذي كاد يقضي على أسراب الحمام بقرية حسينارتي
- 265 ألف شاهدوا فيديو الصقر بقناة الجزيرة خلال 3 ساعات فقط
- الصقر من فصيلة الشاهين الجارحة ويعد رمزا للسرعة والقوة
حسينارتي ــ عادل الحاج

بثّت قناة الجزيرة تقريراً مصوّراً نادراً يوثّق مشهداً رائعاً ومميزاً من الريف السوداني بالولاية الشمالية وتحديداً في قرية (حسينارتي) بالضفة الغربية للنيل حيث.. نجح صبي صغير يدعى (آواب معاوية زكريا) في إصطياد (صقر الشاهين) أسرع صقر في العالم الجارح باستخدام نبلة تقليدية وهو من الصقور النادرة في مشهد نال إعجاب المشاهدين حيث بلغت المشاهدات 265 ألف مشاهدة خلال ثلاث ساعات فقط.. التوثيق حمل توقيع الصحفي السوداني المعروف (عادل الحاج) مراسل الصحيفة بالولاية الشمالية الذي صور الصقر النادر داخل القفص بالمنزل بالقرية بعد أن إصطاده الصبي.. حيث أشادت القناة عبر منصاتها الرقمية بـقيمة مثل هذا التوثيق الدقيق لهذا الصقر النادر الجميل والذي يعكس التراث الشعبي السوداني الأصيل ومهارات الصيد لدى الأطفال بالمناطق السودانية الريفية.. تقرير قناة الجزيرة لاقى تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تناقلته صفحات المهتمين بالحياة البرية وأشاد كثيرون بجمال التصوير وصدق المشهد.. إلا ان الصبي (آواب) لم يكن موجودا عند أخذ لقطات الفيديو لصقر الشاهين وبذلك تنفرد (أصداء سودانية) بنشر صورة الطفل (آواب) أشهر صائد صقور بالسودان وحكايته مع الصقر.. بجانب نشر كل التفاصيل المهمة التي لم يشملها تقرير قناة الجزيرة المصور عن هذا الصقر والذي يعد أسرع طائر في العالم.
قرية حسينارتي:
في منطقة ريفية شمالي السودان، وعلى ضفاف نهر النيل الخالد، تقع قرية (حسينارتي) التابعة لمحلية الدبة وسط الولاية الشمالية.. جروف خضراء، تنبض بالحياة والجمال، حيث تُروى الأرض فيها من ماء النهر العذب، وتتناثر من حولها مزارع النخيل والبرتقال والقريب فروت، وتنتج جروفها الفول والقمح والذرة الشامية واللوبيا، وذلك بجانب أشجار السيال، والسنط، والطلح التي تظلل المواشي في قيظ الصيف الطويل.. ففي هذا المكان ذي الطبيعة الخلابة تسمع صوت تغريد طيور القُمري والعصافير الصغيرة ذات الأصوات الجميلة والألوان المزركشة الزاهية مما يشكل خلفية رائعة لحياةٍ بسيطة لكنها غنية بمواردها المختلفة.
في تلك البقعة الريفية الجميلة والطبيعة الحالمة،عاش الطفل (آواب معاوية زكريا) والذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، يدرس بالصف الثالث بمدرسة حسينارتي وجلس لإمتحان الشهادة المتوسطة هذا العام.. صبي خفيف الظل، لا تفارق وجهه إبتسامته العفوية العريضة والمحببة.. كان (آواب) يخرج كل صباح خلال إجازته المدرسية في الصباح الباكر متجولاً بين الحقول ليمارس هوايته المفضلة وهي إصطياد الطيور بالنبلة التي صنع مقبضها من سلك معدني غليظ ودعمها بالحلقات المطاطية التي تستخدم غالباً في ربط حِزم الأوراق المالية.
الصقر الجارح:

في صباح يوم هادئ، وبينما كان اواب يسير قرب شجرة نخيل سامقة عند حافة المزارع، لمح طائرًا كبيراُ يحلّق في الفضاء العريض ثم يهبط برشاقة على إحدى جرائد النخلة العالية، وإختفى وسط جرائد شجرة النخيل الباسقة متربصا ببعض اسراب الحمام الذي كان يحلق في فضاء المنطقة، فإعتقد انه من الصقور العادية التي تهاجم الحمائم التي يربيها بعض سكان القرية بمنازلهم وكادوا يبيدوها.. فجمد في مكانه يتأمله بإعجاب، فلم يكن غرابًا ولا حدأة، بل صقرا بريشٍ رماديّ منقط بالأسود، وذي عينين واسعتين جميلتين تلمعان مما أثار فضوله ودهشته لجمال ذلك الصقر، فخفق قلبه وأخرج نبّلته بهدوء من جيبه، فلم يكن يريد إيذاء ذلك الطائر الكبير والرشيق بل الحصول عليه والإحتفاظ به، فصوب نبلته إليه، لا سيما أنه كان يتقن فن التصويب بدقة متناهية حيث كان يدهش رفاقه بإصابة للهدف دون إخفاق.
وبينما كان الصقر يتلفت يمنة ويسرة يراقب أسراب الحمام يمني نفسه بوجبة دسمة من إحدى الحمائم، وكان وقتها سرب من حمام بعض أهل القرية يلهو في فضاء قرية حسينارتي غير منتبه للصقر الجارح الذي كان يختبئ وقتها أعلى شجرة النخيل.. صوّب (آواب) نبلته إلى الصقر، وأطلق حجرا صغيرا منها بدقة تجاه رأسه فارتجّت جريدة النخلة التي كان يقف فيها الصقر ليرتطم بعدها بجذع شجرة سنط تنمو أسفل شجرة النخيل ليسقط أرضًا فركض نحوه وقلبه يخفق بشدة، بين الخوف والحماس ليجد الصقر غير قادرا على الطيران والهرب وهو مصاب تحت احدى عينيه إصابة خفيفة لكنها كانت كافية لمنعه من الحركة مؤقتا، فتردّد قليلا محاولا الإمساك به، عندها تحول الصقر لوحش كاسر ليدافع عن نفسه فنفش ريشه الجميل وأبرز أظافره الحادة كالخناجر محاولا إيذاه بها وإصابته في وجهه بمنقاره القوي، إلا أن (آواب) تجرأ ووثب عليه ليغطيه بشال صوفي كان يلفه حول عنقه من البرد، وحمله عائداً للقرية وهو يلهث فرحاً وغبطةً.
أبو الكفات:
وفي المنزل عرضه على والده والذي عرف فوراً أن هذا الطائر ليس عاديًا بل هو نوع من الصقور الجارحة المتوسطة الحجم نوعا ما، يطلق عليه بالولاية الشمالية بمناطق منحنى النيل (ابو الكفّات)، حيث انه إشتهر بإصطياد الطيور خاصة القُمري والحمام، الذي يكثر وسط جنائن النخيل بمنطقة حسينارتي، وعندما يشاهد إحدى الحمائم وهو على ارتفاع شاهق ينزل ناحيته بسرعة لا تصدق ويقوم بضربه او (كفته) بجناحيه فيشل حركته ثم ينقض عليه ويلتهمه.. فجهّز له قفصاً متوسطاً بأحد أركان المنزل ليودعه بداخله.. وكان ينوي ترويضه وتدريبه على إصطياد القمري، فأغدق عليه بكمية من اللحوم.
لكن صقر الشاهين السجين رفض بإصرار أكل اللحوم التي وفرها له داخل مسكنه الجديد، رفض رفضا تاما تناول ولو قطعة لحم او جرعة ماء، رغم انه تعافى تماما من ضربة النبلة، ولاحظ آواب ان الصقر كثير الحركة داخل القفص او السجن، وعندما يهدأ قليلا كان يتطلع للفضاء خارج القفص الذي صنعه له صائده من السلك، خاصة عندما يشاهد الصقر أقرانه يسبحون في الفضاء الواسع فوق بساتين النخيل السامقة، وكأنه يقول: (أعيدوا لي حريتي).. ليلقى حتفه بعد ثلاثة أيام قضاها متنقلاً هنا وهناك داخل قفصه.. لم يكن سبب وفاة الصقر مضاعفات ضربة النبلة فقد كانت سطحية، ولا الجوع لإضرابه عن الطعام، لكنه كان بسبب سلبه لحريته، ولم يكن الصقر يدري ان الطفل كان ينوي إطلاق سراحه ليعود لبقية سرب صقور الشاهين، إلا ان القدر كان أسرع.. ومنذ ذلك اليوم إشتهر الطفل (آواب) بين أهل القرية بـ(صائد الصقور).
وأشار آواب أثناء حديثه لـ(أصداء سودانية) الخميس الماضي الموافق 18 ديسمبر: الصقور تملأ سماء المنطقة تتربص بحمام أهل القرية التي تصطاد وتلتهم منها الصقور أعدادا كبيرة لدرجة أنها أصبحت تهدد حمام القرية بالفناء، ولذلك قررت إصطياده وتخليص حمام القرية من أحد مفترسيها.. وانا مُغرم بالطيور بمختلف أنواعها وهي هوايتي المحببة كما امارس الرياضة لا سيما كرة القدم، إلا أنني أخشى الإقتراب من مجرى النيل لأنني لا أجيد السباحة رغم علمي من أهميتها لكل من يقطن قريباً من الأنهار.. وأتقدم بالشكر لصحيفة (أصداء سودانية) ولمراسلها،عادل الحاج، لهذا اللقاء الصحفي.
الأسرع في العالم:
صقر الشاهين نوع من أنواع الصقور الجارحة ويعد أسرع الطيور في العالم، حيث تصل سرعته إلى 320 كيلو متر في الساعة، (200) ميل في الساعة، خلال نزوله من الفضاء للإنقضاض على فريسته، ولذلك يعتبر رمزا للقوة والسرعة المذهلة.. يتميز بلون ريشه الرمادي الجميل المخلوط بالأزرق على الظهر، وريش ابيض على البطن، وعيون سوداء لامعة مع خطوط سوداء تمتد من العين إلى مؤخرة الرأس، ولديه اجنحة طويلة ومدببة، ومخالب حادة قوية.. يعتمد ف غذائه على الحمام المنزلي والقُمري والطيور البرية.. ووفقا للإتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (أي يو سي إف)، فقد كان لوقت قريب مهددا بالإنقراض إلا أنه حاليا أقل إثارة للقلق من إنقراضه بسبب حظر إستخدام مبيدات الآفات الزراعية الضارة مثل مبيد (دي دي تي).